عبدالرحمن العرباوى
منتدى عائلة العرباوى بكفر الصارم القبلى مركز زفتى محافظة الغربية يرحب بكم دائما مع تحيات
عبدالرحمن عبدالرحمن العرباوى وكيل الوزارة رئيس مركز ومدينة زفتى وسمنود وقطور بالمعاش

عبدالرحمن العرباوى

عائلة العرباوى كفر الصارم القبلى مركز زفتى غربية
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 مكتبة العرباوى السياسية

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 3:48 pm

السيطرة المطلوبة

في هذا الصدد يحيل الكتاب إلى التعداد السكاني لعام 1890 الذي أحصى من سكان الجزيرة الأصليين 40612 نسمة في حين أحصى من أهل النخبة المسيطرة على مقاليدها قلة لا تزيد على 6220 فردا من الأميركيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين والنرويجيين: هؤلاء البيض ظلوا يحكمون هاواي على مدى عقود وقد طبقوا عليها دستورا غريبا يحمل وصفا أغرب وهو: دستور الحرية أو حكم السيوف.

كان هذا هو النظام الذي يضمن للبيض القادمين من أوروبا وأميركا كل أسباب النفوذ السياسي والسيطرة والاستغلال الاقتصادي.. ومن ثم كانت فكرة دستور عادل يضمن صوتا لكل مواطن، وبصرف النظر عن الأصل العرقي أو لون البشرة أو حجم الممتلكات، فهو أمر مرفوض بكل مقياس.

المهم أنه دارت عجلة الأحداث على أرض الجزيرة والأهم أن عمد المتمردون الرافضون للدستور الإصلاحي إلى طلب العون من الولايات المتحدة.. أقرب الكيانات الكبرى إلى هاواي.

وهكذا أنشأوا حكومة جديدة ومؤقتة وسارع المندوب الأميركي ستيفن للاعتراف بها بديلا عن حكومة الملكة التي أجبروها على توقيع صك كتبته بيد ثابتة وحروف بارزة واحتجت فيه على معاملة المتمردين لها واعترفت فيه بالتسليم إلى حكومة الولايات المتحدة بعد أن استدعى وزيرها فوق العادة قوات من بلاده كي ترابط فوق أرض الجزيرة.

والغريب أن هذا الوزير المفوض فوق العادة كان يتصرف من تلقاء نفسه وبغير الرجوع إلى رئيسه المباشر «بلين وزير الخارجية، ولا الرئيس الأعلى هاريسون في البيت الأبيض». يعلق المؤلف في هذا السياق (ص 30) قائلا: لم يكن لديه تعليمات صريحة لا من وزير الخارجية ولا من رئيس الجمهورية.

ومن المؤكد أنه تجاوز حدود سلطته بزعم أن الجزيرة كاد يسودها العنف والإرهاب. ومع ذلك فقد كان المبعوث المفوض يفعل ما كان يريد الوزير والرئيس أن يفعله. وهكذا استخدم سلطته وسلطتهما لينهي حكما كان قائما في جزيرة هاواي وهذا بالضبط هو الذي جعله أول أميركي ينفذ مخططا للإطاحة بحكومة أجنبية.

بعدها ينتقل مؤلف الكتاب إلى كوبا.. وهي بدورها الجزيرة التي لا تبعد سوى بضع عشرات من الأميال عن سواحل ولاية فلوريدا الأميركية وبهذا كانت أميركا (وربما لا تزال) تعدها داخلة في محيط النفوذ الإقليمي لواشنطن. وفي الأيام الأخيرة من عام 1898 كانت هافانا، عاصمة كوبا تجتاحها موجات من الفرح، وكان سكانها ـ بدمائهم اللاتينية الفّوارة في حال من المرح الصاخب والمهرجانات الملونة..

السبب هو وصول القوات الأميركية إلى جزيرة كوبا ومساعدتها السكان على إنهاء ثلاثة قرون كاملة من سيطرة الأسبان على مقاليدها. لكن هذه الأفراح ما لبثت أن تحولت إلى أحزان لأن «الصديق الأميركي» لم يشأ الاعتراف بجيش التحرير الكوبي الذي خاض معاركه ضد الأسبان واستعان بالأميركيين في تحرير البلاد. هكذا اعتملت مشاعر السخط العميق في نفوس الآلاف من الوطنيين الكوبيين. يقول المؤلف في هذا الصدد:

عرفوا أن أميركا اختطفت منهم جائزة الاستقلال التي طالما قاتلوا من أجل الحصول عليها ـ وسوف يشهد الزمن أحفاد هؤلاء الوطنيين من مقاتلي كوبا وهم يرقبون تعاظم سيطرة أميركا على جزيرتهم ويصابون بالإحباط حين يرون هذا الطرف المسيطر وهو يضع عملاءه وزبانيته في مواقع السلطة من أجل إدامة السيطرة الأميركية على كوبا.


حكاية البحار الفيلسوف

من ناحيتهم كان ساسة أميركا يتصرفون في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين وفق طروحات وأفكار تربط بين عظمة بلادهم ورفاه سكانها وبين ضرورة أن تعمد واشنطن إلى نظرة توسعية من شأنها أن تبسط سيطرة أميركا خارج الحدود. وفي غمار هذه الدعوات يصدر كتاب مهم في تلك الفترة الباكرة تحت العنوان التالي: تأثير القوة البحرية على مسار التاريخ.

مؤلف هذا الكتاب كان فيلسوفا بحارا كما يصفه المؤرخون وقد تولى إدارة الكلية البحرية الناشئة وقتها وقد تجسدت دعوة كتابه فيما يلي: لم تحظ أي دولة ولا أي أمة بالمجد والعظمة إلا عندما بسطت سيطرتها على الأسواق الخارجية وعلى موارد المواد الطبيعية (الأولية ـ الخام) الموجودة في أراضي الدول الأجنبية. ولكي تستطيع الدولة الطموحة تحقيق هذا الهدف، يتعين عليها أن تستجمع كل أسباب القوة البحرية (لم تكن هذه الدعوة تحلم بالقوة الجوية وقتها) والمهم أن تكون هذه القوة كافية لحماية أسطولها التجاري ولإجبار الدول غير المتعاونة على فتح أسواقها أمام التجارة والاستثمار.

الفيلسوف البحار، واسمه بالمناسبة هو الكابتن ألفرد ماهان، يواصل نصائح الهيمنة والسيطرة التي يسوقها إلى ساسة بلاده ومسؤوليها فيقول: بيد أن أسطولا بمثل هذا الطموح سيكون بحاجة إلى شبكة من قواعد الإمداد والتموين في كل أنحاء العالم. ولو طبقنا هذا على أميركا لأكدنا أنها بحاجة أولا للمسارعة إلى حفر قناة عبر أميركا الوسطى (هي طبعا قناة بنما) فضلا عن الحاجة إلى إنشاء قواعد تابعة لأميركا في مياه البحر الكاريبي والمحيط الهادئ وفي أي بقعة ترغب أميركا بالمتاجرة فيها.

وعندما طرحوا على الفيلسوف ماهان السؤال الافتراضي: ترى لماذا يتعين على أميركا أن تقوم بهذا كله؟ أجاب في سطور كتابه القديم: إن الإنتاج المتعاظم للبلد يقتضي هذا الأمر.

ثم يضيف مؤلف كتابنا في معرض التعليق: هذا الفيلسوف ـ البحار ـ ألفرد ماهان كان محور اهتمام واشنطن في تسعينات القرن التاسع عشر ـ يظهر أمام لجان الكونجرس وينشئ صداقات حميمة مع كبار الساسة لدرجة أن بعضهم كان يرى أن كتاباته من نوعية «المرشد المقدس» ولدرجة أن السياسي تيودور روزفلت كان يتراسل معه بشأن مواضيع التوسع الإقليمي والقوة البحرية وأهمية ضم جزر في أصقاع مترامية.

ولعل هذه الأفكار هي التي صاغت الفكر التوسعي ـ الإمبريالي عند الرئيس تيودور روزفلت (1858 ـ 1919) الذي زار مصر والسودان في عام 1910 وأثار بدوره سخط أركان الحركة الوطنية في القاهرة لأنه أعلن اعترافه، وربما اعتزازه بسيطرة الاستعمار الإمبريالي البريطاني وقتها على شطري وادي النيل.

- في ضوء هذه الدعوات.. دخل رئيس جديد البيت الأبيض هو ويليام ماكنلي في عام 1897، كان ينتمي إلى الحزب الجمهوري وكان يجنح إلى السلام والمفاوضات بعيدا عن مشاكل الحرب الساخنة واحتدام الصراع.. لكن الأمور في جزيرة كوبا، وهي كبرى جزر البحر الكاريبي ودرة التاج الاستعماري الأسباني في سالف الأيام..

كانت على غير ما يرغب رجال المال والأعمال في الولايات المتحدة. لقد ثار الوطنيون في كوبا بزعامة محام موهوب كان دبلوماسيا وكان شاعرا وكان كاتبا اسمه «خوسيه مارتي» عاش في نيويورك ولكنه آثر أن يعود لقيادة انتفاضة تحريرية في بلاده..

بل واختار أن يهبط أرض الجزيرة وأن يقود طابورا عسكريا مما أودى بحياته وأن واصل رفاقه ومناصروه المسير بل ورفعوا لافتة يراها القاصي والداني تحمل سطورا من آخر رسالة كتبها الشاعر الدبلوماسي الثائر ولم يكملها.. وفي الرسالة يقول خوسيه مارتي الذي أصبح رمزا للتحرير الوطني في تاريخ شعوب أميركا اللاتينية: لا تكتفوا بتحرير بلادنا من نير أسبانيا فقط: بل اعملوا على استقلال كوبا ومن ثم على منع الولايات المتحدة من الانتشار والتوسع في جزر الهند الغربية.


خائفون من الإصلاح

وسط هذه الظروف كان لا بد للرئيس المسالم ماكنلي أن يتصرف، وأن يختار ـ على غير عادته ـ أساليب الحرب والضرب والقتال، وكان لدى الرئيس الأميركي المذكور أسباب تدعو للقلق والانشغال على حد ما يذهب إليه مؤلف كتابنا الذي يوضح (ص 35) أن زعماء التمرد الكوبي كانوا يبشرون جماهيرهم بأنهم ما أن يصلوا إلى السلطة حتى يبدأوا حملة ساحقة من الإصلاحات الاجتماعية يأتي في صدارتها إعادة توزيع الأراضي (الإصلاح الزراعي) وكان هذا يمثل طعنة غائرة كما يصفها المؤلف في صدور رجال المال والأعمال (البزنس) الأميركان الناشطين في كوبا.. كيف لا وقد كانوا يملكون أكثر من 50 مليون دولار (أسعار 110 سنوات ماضية) من الاستثمار في الجزيرة ومعظمها كان مستغلا في مجال الزراعة.

ولم يكذب ماكنلي خبرا، كما يقال، قرر التصرف فأصدر أوامره إلى السفينة الحربية «مين» بأن تفترق عن سائر قطع الأسطول العاملة في الأطلسي وأن تيمم وجهها شطر جزيرة كوبا وباعتبار ذلك رسالة قوية حازمة موجهة إلى الطرفين في كوبا: أهل التمرد وأهل البزنس على حد سواء.

وبينما كانت السفينة «مين» راسية في ميناء هافانا روع السكان ليلة 14 فبراير 1898 بخبر تفجيرها وإغراقها وهلاك أكثر من 250 بحارا فوق متنها.

صحافة نيويورك وجدت الفرصة سانحة. كان على رأسها ويليام راندولف هيرست الذي يعده الأكاديميون الأب الشرعي (!) لصحافة التهييج والإثارة فكان أن تابع نشر مقالات تحريضية شديدة الالتهاب ـ وأغرق صفحات جرائده مع مطلع كل صباح بقصص ومقابلات «مفبركة» كما يؤكد مؤلفنا مع مسؤولين غير محددي الأسماء محورها أن السفينة الأميركية تم تدميرها بفعل الخيانة من جانب عدو جهنمي.. وغد.. زنيم.. الخ

يقول المؤلف معلقا: زاد توزيع جرائد هيرست إلى الضعف في 4 أسابيع وانضمت إليه الجرائد الأخرى وأدت هذه الحملة المحمومة إلى أن أصيب الأميركيون بحالة أقرب إلى.. الهستيريا.. وانتهى الأمر بأن طلب الرئيس ماكنلي إلى الكونجرس تفويضا «بالتدخل الإلزامي» في كوبا.

تلك هي الظروف التي أشعلت لهيب الصراع العسكري بين أميركا بوصفها القوة البازغة في الكاريبي والباسيفيكي وبين أسبانيا ـ القوة الإمبراطورية التي طالما بسطت سلطانها ومعها جارتها البرتغال على أصقاع وبقاع شتى في تلك المنطقة.. ما بين كوبا إلى الفلبين ـ إنها قوى الاستعمار العتيق التي كان لا بد أن تفسح المجال سواء لقوى الاستعمار العتيد وهي انجلترا وفرنسا، فما بالك بقوة الاستعمار الجديد ممثلة في الولايات المتحدة الأميركية، والمصطلحات من إبداع العلامة العربي ـ المصري الراحل جمال حمدان.


وجاء دور نيكاراغوا

ثم جاء دور نيكاراغوا، كان ذلك في مستهل رئاسة ويليام تافت في عام 1909، وقد نلاحظ أن رؤساء كثيرين في البيت الأبيض عمدوا إلى أن يكون اختيارهم لمنصب وزير الخارجية، وهو كبير الوزراء حسب البروتوكول، من صفوف كبار المحامين أو كبار رجال المصارف ومثل هؤلاء وأولئك تربطهم مصالح حيوية مع دوائر الصناعة والتجارة و.. البزنس بشكل عام.

في تلك الفترة كادت الأوساط في واشنطن تصاب بجنون السخط أو الحنق أو الغضب إزاء رئيس نيكاراغوا خوسيه سانتوس زيلايا.. كان رجلا محبا لبلاده، تراوده طموحات كثيرة وأحلام أكثر. ولكن هذه الطموحات والأحلام ما لبثت أن تصادمت مع مصالح البزنس الأميركية وخاصة الشركات التي كانت تستغل مناجم الذهب في شرق نيكاراغوا.

وهكذا ظلت الأوساط الأميركية تترصد لرئيس نيكاراغوا وتتصيد له أخطاء صغيرة مثل إيداع تاجر دخان أميركي في السجن ومن ثم جاء تضخيم الأخطاء إلى حد إعلان أن نيكاراغوا بات يسودها عهد الإرهاب، وأن الرئاسة الأميركية لم يعد بمقدورها التعاون مع زيلايا «ذلك المستبد المنتمي إلى القرون الوسطى» كما وصفوه. وكان هذا الوصف ـ كما يؤكد مؤلف كتابنا أشبه بحكم بالإعدام السياسي على رئيس نيكاراغوا.

وفي يوم 10 أكتوبر من عام 1909 أعلن الجنرال استرادا حاكم أحد الأقاليم نفسه رئيسا جديدا في ماناغوا العاصمة تحت شعار الثورة على الرئيس القديم وهي ثورة استندت إلى تمويل سخي من شركة مناجم الذهب الأميركية وإلى دعم عسكري من جانب القوات العسكرية الأميركية أيضا.

ومن ثم لم يجد الرئيس زيلايا بدا من التسليم والاستقالة وقبل أن يصعد إلى سفينة تحمله إلى المنفى ـ آثر أن يوجه خطابا وداعيا إلى الجمعية الوطنية في بلاده اختتمه بعبارة قال فيها: رغم أنني كنت آمل في أن توقف الولايات المتحدة عملياتها العسكرية فإنني لا أشك في أنها سوف تواصل تدخلها بكل سبيل في مستقبل هذا البلد.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 3:50 pm

تابع

كتاب ـ 100 عام من العنف السافر والمخططات السريه


لماذا ترفع واشنطن شعار" مدينة فوق التلة"؟


السناتور هنري كابوت لودج يشغل في حوليات التاريخ السياسي الأميركي مكانة مميزة. كان عضوا في مجلس الشيوخ في بلاده خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. ما زالت هذه الحوليات السياسية تذكر له مقولته الشهيرة التي لخصها بعبارة شهيرة هي »علينا أن نتبع السياسة العظمى«.

وهي العبارة التي تلقفها مؤرخون عديدون – كما يوضح مؤلف كتابنا لكي يفسروها على أوجه شتى ومنها:



سياسة التوسع

سياسة الهيمنة (الإمبريالية)

سياسة الاستعمار الجديد

ثم يعلق مؤلفنا قائلا: وأيا كان التفسير فإن العبارة في كل حال تمثل إرادة الأميركيين في توسيع دائرة اتصالهم وحضورهم في العالم ولم يكن هذا الأمر عبثا ولا لهوا.. لقد طالب السناتور المذكور أعلاه صراحة بأن تعمل واشنطن على ضم.. كندا ضمن الولايات المتحدة..

وظل الرئيس تيودور روزفلت مع مطلع القرن العشرين يفكر مليا – كما يضيف المؤلف – في مهاجمة أسبانيا وكان زعماء البرتغال يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من أن تستولي أميركا على جزر الآزور وكانت التجارب مع الولايات المتحدة تؤكد هذه الخشية وذلك القلق العميق.

يقول مؤلف الكتاب: قبل أن تظهر أميركاعام 1898 بوصفها قوة عالمية كانت قد لجأت مرات عديدة إلى استخدام قوتها العسكرية لإجبار أقطار خارجية على قبول بضائعها. هكذا قاد الكومودور ماثيو بيري أسطولا من البوارج الحربية إلى اليابان عام 1854 فأجبر أهلها على توقيع معاهدة تفتح أسواق ومراكز اليابان أمام التجار الأميركيين. وفي عام 1882 فعل الأميركيين نفس الشيء مع كوريا.

وفي هذا الصدد يقول المؤرخ الكبير شارلز بيرد:

- إن حرية التصرف في التوسع إلى حيث الأسواق الخارجية أمر لا غنى عنه لرخاء التجارة والأعمال في أميركا. ولهذا فالدبلوماسية الحديثة لها طابعها التجاري ويتمثل هدفها الرئيسي في تعزيز المصالح التجارية فيما وراء البحار.


نزعة التبشير الأميركية

من ناحية أخرى يرى المؤلف أن الأحكام الموضوعية لا بد وأن تفضي إلى القول بأن الأميركان لم يكن دافعهم الوحيد لهذا التوسع خارج الحدود هو التجارة أو الأسواق أو التماس الموارد اللازمة للتصنيع.

إلى جانب هذه الدوافع المادية كان هناك – كما يحرص مؤلفنا على توضيحه – دوافع معنوية يصفها بعض رؤساء أميركا بأنها حتميات التاريخ بمعنى أن الأمم العظيمة لا بد وأن تؤدي رسالة ما خارج حدود دولتها.

تلك كانت النزعة التبشيرية كما يصفها مؤلف الكتاب مضيفا أن هذه النزعة متأصلة في صميم النفسية الأميركية وخاصة منذ أن أطلق جون ونثروب، وهو من رواد استيطان الأرض الجديدة في الساحل الشرقي الشمالي لأميركا شعاره الشهير قائلا: أريد أن أشيد مدينة فوق التلال.

وكان ونثروب يعني بهذا صرحا مستجدا يأخذ بأسباب العقيدة الدينية والتربية الروحية ويتطلع إليه العالم كمصدر للإلهام، وهو نفس الشعار الذي جعل الأميركيين يعدون أنفسهم - وكما يضيف المؤلف أيضا – شعبا خاصا ولدرجة أن كثيرين منهم انتهى بهم القرن التاسع عشر وهم يعتقدون أن من واجبهم تمدين البرابرة الذين يعيشون على الفطرة وتحرير الجماهير المقهورة من نير الاستغلال.. وعندما قررت واشنطن السيطرة على جزر الفلبين وجدت تشجيعا لهذه الروح التوسعية التي رفعت شعار »رسالة الرجل الأبيض« من جانب شاعر الاستعمار البريطاني الشهير رديارد كبلنغ حين أنشد قصيدته التي يقول فيها:


ألا فاحملوا عبء الرجل الأبيض

وابعثوا زهرة الناشئة إلى هناك

كي يلبوا حاجة المقهورين

تلك الشعوب اليائسة التي سيطرتم عليها

نصفها طفل ونصفها شيطان .

هذه الرسالة اختار الرئيس الأميركي أن يحمل تبعاتها وربما أثرت فيه أبيات الشاعر الإنجليزي فكان أن ضمت أميركا هاواي وكان أن تطلعت أيضا إلى ضم جزيرة شهيرة أخرى اسمها كوبا. على نحو ما ألمحنا إليه في سطور سابقة.

يقول مؤلف الكتاب: أصبحت كوبا جمهورية في 20 مايو عام 1902 ولكن أيام الجمهورية الأولى شهدت اضطرابات وقلاقل وصراعات وهجمات على ممتلكات الأميركيين في الجزيرة. وهكذا أنزلت واشنطن قواتها وفرضت حكما عسكريا على كوبا في عام 1906 ولمدة 3 سنوات.

وبعدها شهد عقد العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي حركات رفض وسخط ومعارضة ضد أميركا من جهة مع تنامي المشاعر القومية في كوبا من جهة أخرى لا سيما وقد شهدت الجزيرة أيضا اشتداد حركة نقابات العمال واكبها أمواج عالية من ثمار الفكر والثقافة والكتابة والتنوير والإبداع باللغة الأسبانية.

وكان أكبر المستفيدين من هذا كله هو الحزب الشيوعي الكوبي الذي بدأ نشاطه عام 1925 ثم نجح في إقناع الكوبيين بأن قياداته وأعضاءه هم أفضل الوطنيين المخلصين لقضية الجزيرة.

ومع مطالع الثلاثينات قرر الرئيس روزفلت أن ديكتاتور كوبا وقتها غيراردو ماشادو كان يشكل عبئاً محرجا لواشنطن فكان أن شجعت واشنطن الجيش الكوبي على إطاحته ليحل محله صف ضابط بدرجة رقيب اسمه فولجنسيو باتستا الذي قُيّض له أن يصوغ أقدار كوبا وسياساتها على مدى ربع قرن كامل قطع فيه العلاقات مع الاتحاد السوفييتي وطارد الحزب الشيوعي الكوبي واستعان بأفواج من المستشارين العسكريين الأميركيين ، وشجع أفواجا من المستثمرين القادمين من الولايات المتحدة بعضهم كان شريفا وأغلبهم كان بخلاف ذلك مما أنعش أشد الأنشطة تدنياً وفي مقدمتها صناعة كازينوهات المقامرة وتجارة البغاء.

ولكن أبرز قراراته كان المرسوم الذي أصدره في عام 1952 بإلغاء انتخابات البرلمان الكوبي وإبطال عضوية مرشحيه وكان من بينهم اسم فيديل كاسترو الذي يصفه المؤلف على النحو التالي: كان كاسترو محاميا شابا يتمتع بجاذبية كاريزمية وكان جديرا بأن يواصل نشاطه داخل البرلمان الكوبي، ولكن بعد أن وجه باتستا ضربته الانقلابية بإلغاء الانتخابات، وبها استحال على المحامي الشاب أن يدخل البرلمان.. تحوّل فيديل إلى.. الثورة.

عند هذا المنعطف من سطور الكتاب لا بد أن نتوقف عند أكثر من عبرة مستقاة من صحائف التاريخ المعاصر، تلك العبرة مرتبطة عضويا وموضوعيا بنشاط وطروحات ومعلومات الاستخبارات في أميركا بالذات.

يقول المؤلف: لوقت طويل وبشكل يدعو إلى العجب، ظل صانعو السياسة الأميركيون يخدعون أنفسهم تحت وهم التصور بأن كل شيء على ما يرام في كوبا.

وفي عام 1957 أفاد مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض بأن العلاقات بين واشنطن وهافانا لا تواجه أي مشكلات ولا تعقيدات. بعدها بسنة واحدة ليس إلا..

أعلن ألين دالاس رئيس المخابرات المركزية في إحدى جلسات الاستماع بالكونجرس أن من المستبعد وجود أي نفوذ سوفييتي في أي مكان في أميركا اللاتينية ومنها بالطبع كوبا..

لم تمض سوى أشهر أو أسابيع.. وفي أول أيام 1959 كاد الأميركيون يصعقون عندما سمعوا خبر هروب باتستا من هافانا عاصمة كوبا التي بدأت تفتح ذراعيها كي تستقبل ثورة فيديل كاسترو ورفاقه.

تكررت نفس الوتيرة عندما زار الرئيس الأميركي كارتر طهران أوائل عام 1978 والتقطوا له صورا ظافرة مع الشاه وهما يحتسيان نخب الاستقرار والهدوء في إيران والشرق الأوسط.. ولم تمض سوى أشهر أو أسابيع حتى اندلعت الثورة الإيرانية.

عادت نفس الوتيرة إلى التكرار مؤخرا عندما أفادت المخابرات المركزية بأن الموقف في العراق يدفع شعبه إلى الترحيب بنزول جنود أميركا والتحالف على أراضي الرافدين كي تكون الزهور والرياحين في استقبالهم وكي يكون مبرر وجودهم في العراق هو القضاء على أسلحة الدمار الشامل... الخ

والحاصل أن الأمر لم يصبح مجرد نزهة ولا نعم العراق بالاستقرار ولا عثر القوم على أسلحة دمار.. وبدلا من حسابات الديمقراطية والرخاء ما زال الوضع في العراق يجسد علامة استفهام كبرى تستعصي على الافهام.


بين التوسع والبراءة

يحاول مؤلفنا أن يشخص هذه المشكلات وأن يتقصّى جذورها وأسبابها العميقة.. ثم يلخص هذا التشخيص في عبارة واحدة هي: نزعة التوسع ورغم أن التوسع في حد ذاته أمر يغري باعتباره يضيف مساحات وموارد وقوى عاملة وكفاءات بشرية جديدة إلى الدولة التي تباشر التوسع وطبعا على حساب جموع الناس والأمة والموارد التي تخضع لهذه النزعة –

رغم هذا كله فإن ظاهرة التوسع تحمل في طياتها ما يمكن أن نصفه من جانبنا بالعبارة التالية: جدل التوسع وعلى سبيل التفسير نحيل إلى سطور كتابنا حيث يقول المؤلف على صفحة 104:

- لقد انتهى التوسع بالولايات المتحدة إلى أن وضعها أمام أزمة خانقة ومشكلات مستحكمة وهي نفس المشكلات والأزمات التي ما برحت تتحدى الدول والقوى الاستعمارية عبر التاريخ. لقد أتاح هذا التوسع لقوى ديمقراطية أن تنمو وتتفاعل في نفس البلدان التي خضعت للهيمنة .

وفي ظل هذا النمو والتفاعل نشأت وتطورت ونضجت قوى وفصائل وطبقات من أهل المستعمرات ممن أرادوا أن يحددوا مصير بلادهم وأن يحققوا لها مصالحها القومية. ولم تكن تلك المصالح تتفق بالضرورة مع مصالح الولايات المتحدة التي مارست التدخل واستهدفت التوسع وحاولت تجذير نفوذها في تلك الأصقاع ، ولكن ما لبث هذا النفوذ أن شرع في التضاؤل وباتت أميركا بكل القيم التي كانت قامت على أساسها وظلت ترفع شعارها، باتت حائرة أمام خيار أن تترك تلك الأقطار كي تصبح ديمقراطية أو أن تظل ممسكة بمقاليد سيطرتها وهيمنتها على مقاليد تلك البلدان.

ومن عجب ـ يقول المؤلف ـ إن الخيار كان سهلا ومن الأعجب – يضيف المؤلف – أن واشنطن لم تتوقف عند الخيار السليم.ومرة أخرى يشرح المؤلف موقفه قائلا: لو كانت واشنطن تطل على مثل هذه الأمور من منطق بعيد النظر لالتمست سبيلا للحوار والتفاهم بل والتبني بالنسبة لدعاة الإصلاح في الأقطار التي كانت داخلة في دائرة تأثيرها (بمعنى نفوذها) الإقليمي، أقطار من قبيل كوبا، هندوراس..

بورتوريكو، نيكاراغوا، دع عنك الفلبين: كان من شأن ذلك الأسلوب أن يفضي إلى نظم اجتماعية أكثر عدلا وإنصافا في تلك البلدان وكانت هذه النظم جديرة بأن تؤدي بدورها إلى نتيجتين: الأولى تحسين حياة أهل تلك البلاد ممن كانت كثرتهم تعيش وتموت في ربقة الفقر المدقع، والثانية كانت جديرة أيضا أن تخفف من وطأة بل وحمّى الصراعات الاجتماعية المحتدمة التي كانت تندلع مما اضطر أميركا إلى جولات من بعد أخرى من التدخل بكل ما كان يعنيه ذلك من مغارم وتكاليف.

صحيح ـ يضيف كاتبنا ـ أن هيمنة أميركا على مثل تلك البلدان جلبت لها هيمنة وموارد وأموالا هائلة لكن مفعول هذا كله كان يسري مثل السم البطيء داخل أوصال المناخ السياسي في تلك البلدان وضد الولايات المتحدة ودعاواها الديمقراطية.

وأدى هذا في نهاية المطاف (كوبا نموذجا وعبرة) إلى انتعاش الأفكار الراديكالية واليسارية والمتطرفة كبديل عن أحوال الركود والهيمنة الخارجية بل عن حماية أميركا للحكام الطغاة المستبدين في تلك البلدان.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 3:55 pm

ويمضي المؤلف قائلا بالحرف: ولو كان القوم قد سمحوا باستمرار انتخابات عام 1952 في كوبا لأتيحت الفرصة للمحامي المرشح الشاب فيديل كاسترو أن يصل إلى مواقع العمل أو المنصب العام من أجل استخدام المؤسسات الديمقراطية لتحديث كوبا ولما أتيحت الفرصة لقيام النظام الشيوعي في الجزيرة ولو لم تصر أميركا على إسباغ حمايتها باستمرار على كل ديكتاتور من حكام نيكاراغوا، لما تعين عليها مواجهة حركة الساندانيستا اليسارية التي ثارت في ذلك البلد مع عقد الثمانينات.


دور صحافة الإثارة

مرة أخرى يثور السؤال عند هذه النقطة: وماذا عن أميركا – الداخل بمعنى الشعب ومشاعره والمثقفين وطروحاتهم؟ .

يوضح المؤلف أن شعار»تغيير النظم« الذي مارسته واشنطن ـ كما أسلفنا ـ لأول مرة مع غروب القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت له تأثيرات مدوية في طول الولايات المتحدة وعرضها:

من الناحية الإيجابية أدى الشعار إلى المزيد من توطيد وترسيخ وحدة البلد الكبير الذي كان قد خرج منذ أقل من عقدين من معارك الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب داخل أميركا لكن من الناحية السلبية أدى الشعار ، ومن ثم أدت نزعة الهيمنة ومطامع التوسع الخارجي، إلى تشجيع ما وصفه كتابنا بأنه صحافة الإثارة، وكان رمزها منذ تلك الفترة (ولعله رمزها عبر تاريخ الإعلام) هو »ويليام راندولف هيرست« الذي ظل ينشر مقالاته وتحقيقاته التحريضية هادفا إلى إقناع جماهير قارئيه إلى أن قدر أميركا المكتوب على جبينها كما يقال هو أن تكون قيادة كوكبية. (ص 106).

لكن هذه الأفكار والدعوات سلبت الأميركيين – كما يؤكد المؤلف – أعز ما كانوا يملكون وهو البراءة، سمعوا يومها عن حكايات التعذيب الذي لقيه أهل الفلبين على يد جنود أميركيين، لكنهم سمعوا أيضا دعوات داخل بلادهم تؤكد أن تداول مثل هذه الحكايات، أو إدانتها لن تكون سوى علامات تشير إلى الضعف بل وإلى انعدام الروح الوطنية.

صحيح أن قادة أميركا منذ تلك الفترة رفعوا شعارا يقول أن هدفهم من تغيير الحكومات في الأقطار الأجنبية كان يتمثل في تحرير الشعوب المقهورة من نير الظلم والاضطهاد.

بيد أن مؤلف كتابنا، وهو صحافي أميركي محنّك ومخضرم، يعلق على هذه الشعارات بعبارات تقول: في واقع الأمر كانت هذه التدخلات تتم أساسا لأسباب اقتصادية.

لقد عمدت أميركا إلى ضم (بمعنى إلحاق) كل من هاواي والفلبين باعتبار أن كلا منهما كانت منطلقا نموذجيا إلى تجارة شرق آسيا، واستولت واشنطن على بورتوريكو لحماية الطرق التجارية وإنشاء قاعدة بحرية على أرضها وأطاحت برئيس كل من نيكاراغوا وهندوراس (في أميركا الوسطى) لأن كلا منهما رفض السماح للشركات الأميركية بحرية النشاط التجاري أيضا في بلده.

وكان من نتائج هذه التصرفات زعزعة الاستقرار في الأقطار المستهدفة، فضلا عن إثارة سخط سكانها. والغريب الذي يوضحه المؤلف أن هذه المصالح التجارية، وهي أهداف مادية بالدرجة الأولى كانت تتداخل وتتشابك إلى درجة العناق مع أهداف معنوية أو نوازع غير مادية مؤداها تلك الروح التي تملكت الأميركيين بأن بلدهم يمثل قوة باعثة على الخير في العالم.

وعليه، ومهما بلغت عمليات التدخل من الخشونة أو القسوة فقد درجت أجيال من الأميركان – وخاصة من قيادات السياسة والبيزنس على ترديد النغمة التي تقول بفكرة عن رسالة إنسانية تتضوع نبلا وكرما وتنبع من الوضع الاستثنائي لأميركا.


شخصية الرئيس

هكذا فعندما يتدخلون في الخارج، سواء كان لأغراض أنانية أو مصلحية، فهم يصرون ـ كما يؤكد مؤلفنا ـ على أن أفعالهم جديرة في نهاية المطاف بأن لا تفيد الولايات وحسب بل تصّب أيضا لمصلحة مواطني البلد الذي يتدخلون فيه وبالقياس تدعم قضايا السلام والعدالة على صعيد العالم بأسره.

في نفس السياق يؤكد المؤلف عند خواتيم هذا الفصل من الكتاب ذلك الدور المحوري الذي يضطلع به الرئيس، أي رئيس أميركي، في صياغة سياسة بلاده وفي تشكيل مسارات عملها في المجالين السياسي والعسكري – الخارجي والداخلي على السواء.

ومهما أسهبنا في الحديث عن أوضاع أميركا ـ دولة المؤسسات ـ أو أميركا دولة الفصل الديمقراطي بين السلطات، أو أميركا دولة التوازن الدقيق بين السلطة التنفيذية الحكومية ـ الإدارة ـ البيت الأبيض، والسلطة التشريعية (الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ) فإن المؤلف لا يلبث أن يؤكد أن شخصية رئيس الدولة الأميركية، قناعاته ، تكوينه الفكري وانتماؤه الحزبي وطروحاته السياسية، وعلاقته بالرأي العام بين الأنصار المحازبين وبين الخصوم المعارضين، نظرته إلى العالم الخارجي ورؤيته لدور بلاده على صعيد هذا العالم، كل هذه الأمور تؤثر في صوغ السياسات وبلورة التوجهات وصنع القرارات سلبا وإيجابا.

أما العامل الثاني الذي يرصده المؤلف (ص 108) فهو أن تلك التدخلات الأميركية – أياً كانت مقاصدها أو شعاراتها – إلا أنها لم تكن تولي الاعتبار الواجب لآراء ومشاعر الشعوب التي خضعت بلدانها لذلك التدخل.

ولدرجة أن غابت تماما عن سياسة أميركا في تلك الفترة التي يكاد ينقضي عليها الآن 100 سنة، فكرة الإصغاء إلى الرأي في أقطار أميركا اللاتينية أو شرقي القارة الآسيوية: لقد كان الساسة والناس في واشنطن يتصورون تلك الشعوب من خلال ما كانوا يطالعونه في رسوم كاريكاتير تلك المرحلة: أطفال في أسمال باليه.. وجوه ملونة وبشرة داكنة غير بيضاء وجهالة مخيمة لا تعرف الفرق بين الخير والشر.

لكن هذه الأفكار، التصورات، الطروحات كان لا بد وأن تتغير، وذلك هو حكم التاريخ.
تابع

كتاب ـ 100 عام من العنف السافر والمخططات السريه




أسرار وراء تحول واشنطن من التدخل إلى النشاط السري




ينتقل المؤلف ستيفن كنزر هنا من استعراض حالات التدخل الأميركي السافر في شؤون الدول الأخرى إلى اعتماد آليات التحرك السري كأدوات لتحقيق الأهداف نفسها المتعلقة بالتحكم في مقدرات الأمم والشعوب، ويلقي الضوء بصفة خاصة على التحركات الأميركية في الشرق الأوسط في هذا الإطار، وعلى وجه التحديد ذلك الحشد الهائل من المؤامرات والتدبير والتخطيط الذي استهدف إسقاط حكومة دكتور محمد مصدق، وهو النموذج الذي يستمد أهميته من أن آثاره وتبعاته لا تزال تترك بصمتها حتى اليوم، كما أن الأميركيين لم يترددوا في محاولة تكرار هذا النموذج من العمل التآمري في أكثر من مكان من العالم.

يحمل الباب الثاني من كتابنا ذي الأبواب الثلاثة والفصول الخمسة العنوان المثير «العمل السري» يفتح الستار على أول مشاهد هذا الباب (ص 111)، فإذا بالمؤلف وقد وضع في مقدمة المسرح شخصية محورية كان لها تأثيرها البالغ وبعمق شديد على تشكيل مسار السياسة الخارجية الأميركية غداة انتصاف القرن العشرين، مرحلة الخمسينات التي شهدت فورانا عجيبا في قارات العالم كله سواء من خلال ثورات التحرر الوطني وتطلع شعوب العالم الثالث إلى غد أفضل وحياة أقل فقرا حتى لا نقول أوفر رغدا أو رخاء.

هذه الشخصية التي تتحرك بكل وزنها وخطورتها على مسرح أحداث الباب الثاني من الكتاب تحمل الاسم واللقب التالي جون فوستر دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة خلال معظم سنوات عقد الخمسينات. صحيح أن القارئ صادفه في فصول سبقت ليس بهذا العنف وليس بهذا التركيز ذلك لأن المؤلف يرى أن الوزير الأميركي يشكل رمزا أو يجسد مسلكا أو منعطفا في مسارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، هو ذلك الذي تحولت فيه واشنطن من أسلوب إلى أسلوب، من الأسلوب القديم الذي كان يدفع أميركا إلى التدخل المباشر لتغيير النظم والحكومات.. على نحو ما تابعناه من مؤلفنا في أقطار صغيرة أو مهيضة واقعة داخل منطقة النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة في البحر الكاريبي أو المحيط الباسيفيكي إلى الأسلوب الجديد الذي يصفه المؤلف كما يقول عنوان الباب الثاني الذي نفتتح سطوره وهو «العمل السري» بمعنى نشاط المخابرات وعمليات التآمر بليل وتنفيذ المخططات التي تتم تحت جنح الظلام.


أول صورة فوتوغرافية

يبدأ المؤلف بالإشارة إلى المكتبة الحافلة التي تضمها جامعة تكساس في مدينة أوستن، هذه المكتبة تستضيف مجموعة مقتنيات ثمينة وفريدة منها مثلا: أول صورة فوتوغرافية في العالم وكان قد تم طبعها في عام 1826.. كتاب مقدس تم إعداده بواسطة غوتنبرغ شخصيا.. وهو مخترع آلة الطباعة الحديثة ولا يوجد من هذا الإنجيل في طول أميركا وعرضها سوى خمس نسخ فقط لا غيرها، وهناك أيضا نسخة من أول كتاب مطبوع باللغة الإنجليزية، ويصف المؤلف هذه المجموعة الثمينة قائلا:

ـ إنها تعكس موجات من أثير التاريخ.. وتبعث من ثم شعورا بالرهبة ومن الأحاسيس المعقدة والمركّبة.. بل وتثير ذكريات تحفها هالات من الغموض.

ما علاقة هذه المجموعة بالسيد فوستر دالاس الذي يهتم المؤلف بسيرته وأعماله وقد ألمحنا إليه في مستهل هذه السطور؟ .

هي علاقة غريبة على أقل تقدير، ذلك لأن هذه المجموعة ضمن مقتنيات مكتبة الجامعة.. تشمل أيضا نموذجا حيا وبالمقاييس الحقيقية لغرفة مكتب جون فوستر دالاس شخصيا وقد أعادوا بناءها لتحاكي تماما المكتب الحقيقي وقد أهدت أسرة دالاس غرفة المكتب هذه للمكاتبة بكل ما تحويه من كتب ومذكرات وأثاث وأدوات وهدايا كان دالاس قد تلقاها من كبار شخصيات عصره.

هنالك يستحضر مؤلفنا شخصية جون فوستر دالاس في إطارها الواقعي الذي كان، بل ويؤرخ لمنشأ أسرته التي يقول إنها كانت أسرة يمتد أصلها إلى الإمبراطور شارلمان الذي خلفت دولته الشاسعة إمبراطورية الرومان. ولقد عمل دالاس محاميا في مكتب واسع النفوذ وعميق الصلات مع كبار الشخصيات من الساسة والاقتصاديين.

وعندما دخل السياسة من باب البرلمان لم يتورع عن كسب ود الناخبين بشعار يصف نهجه الجديد قائلا: أنا عدو الحمر (بمعنى عدو الشيوعيين).

كان ذلك في عام 1949 وكان في ذلك تمهيد لأسوأ مرحلة طورد فيها مثقفو أميركا ومبدعوها وفنانوها بتهمة الانتماء الأحمر، وحملت اسم مرحلة المكارثية.


بين القانون والسياسة
جمع دالاس بين حرفة القانون واحتراف السياسة ولكن هذا كله كان يستند - كما يقول مؤلفنا - إلى خلفية مبشر ديني شديد التمسك بأفكاره إلى حد التصلب إن لم نقل التعصب في كثير من الأحيان. ومن المعروف أن والدة فوستر دالاس كانت تود لو نشأ ابنها كاهنا قبل أن يلتحق بجامعة برنستون لدراسة القانون، وإن كان دالاس قد ظل يتحرك في إهاب كاهن حتى ليوصف عند مترجمي سيرته بأنه أشد القيادات ووزراء خارجية أميركا تمسكا برؤيته الدينية.

دالاس نفسه كان يردد مقولة إن أهم ركائز وجود وسياسة أميركا «تتمثل في تراثها الديني». ومع هذه المقولة كان يرفع شعارا يعلن فيه أنه «يحارب ضد الأساليب والمخططات الشريرة للشيوعية السوفيتية (يسترعي الانتباه في هذا السياق بالذات أن كاتبي خطب الرئيس الأسبق ريغان رددوا على لسانه شعارات مماثلة وكان أشهرها وصف الاتحاد السوفيتي بأنه «إمبراطورية الشر والظلام».

ثم يرصد المؤلف سيرة دالاس وقد أصبح وزيرا لخارجية أميركا مع حقبة الرئيس إيزنهاور. كان الوزير في الثالثة والستين وكان نتاجا لعوامل أساسية ثلاثة هي:

(1) أصل عائلي شديد التميز.
(2) علاقات عميقة واسعة مع أغنى أغنياء زمانه.
(3) عقيدة دينية راسخة تضمر عداء شديداً للقطب الشيوعي السوفييتي.

هذه الخلفية الأسرية والمهنية فضلا عن اليسر المادي والتقدم النسبي في العمر كانت حائلا كما يقول مؤرخوه بين فوستر دالاس وبين أن يعيش حقائق عصره وأن يتفاعل مع الواقع الموضوعي في زمانه.

لا عجب أن عاش وسط قوقعة الذات وكان يتخذ قراراته منفردا أو شبه منفرد عن أقرب مساعديه ناهيك بنزعة متأصلة من رفض الحلول الوسط أو محاولات التراضي أو التوافق بين الأطراف.. ومن الطريف أن يصفه رئيسه أيزنهاور قائلا: كان فوستر دالاس يرى أن وزير الخارجية لا يجوز أن يكون متسامحا أو متهاونا، ولهذا جاء سلوكه أقرب إلى المدعي العام على المستوى الدولي.

ثم إن دالاس لم يتورع عن اتهام الإدارة الديمقراطية السابقة عليه - وهي إدارة الرئيس ترومان، بالضعف أو الجبن أو الخور إزاء السوفييت. وفي هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص 117): خلال حملة أيزنهاور للرئاسة عام 1953 ظل جون فوستر دالاس يبشر الناخبين بأن الإدارة (الجمهورية) الجديدة سوف تعمل على تفكيك الشيوعية وتحرير الدول من نير الاستبداد والإلحاد والإرهاب.

وفور دخول البيت الأبيض، سارع جون دالاس إلى التفتيش عن موقع يستطيع من خلاله أن يوجه ضربة مدوية ضد الآفة أو اللعنة السوفييتية.. وربما جاءته عطية من السماء حين وصل إلى واشنطن مسئول كبير من المخابرات البريطانية يحمل في حقيبته السرية اقتراحا يبشر بتحقيق ما كان يطمح إليه جون فوستر دالاس بشكل كامل.

لم يكن قد مضى على دالاس في الخارجية الأميركية سوى بضعة أيام حين زاره المسؤول البريطاني الكبير، كانت الزيارة وكانت المحادثات وكانت القرارات مغطاة بأكبر غلالة ممكنة من السرية نظرا لخطورة الخطة التي شرع الطرفان في مناقشة تفاصيلها. وكانت الخطة تدور حول بلد بعينه من أقطار الشرق الأوسط وكان البلد هو.. إيران.


بريطانيا وتحديات البترول

في تلك الفترة بالذات كانت بريطانيا تواجه تحديا خطيرا يفسره الكتاب على النحو التالي: كانت قدرتها على استخدام قوتها العسكرية وإمداد صناعاتها بالوقود وإتاحة مستوى معيشة مرتفع لمواطنيها ـ كان هذا كله يعتمد على البترول المستخرج من.. إيران. فمنذ عام 1901 ظلت تحتكر الموارد الإيرانية النفطية جهة وحيدة هي شركة النفط الأنجلو ـ إيرانية التي تمتلك حكومة داوننغ ستريت في لندن معظم أسهمها وكانت الشركة تحقق أرباحها الطائلة من عمليات استخراج وتكرير وبيع البترول الإيراني.

أما العقد المبرم بين لندن وطهران، أو بالأدق بين حكومة انجلترا ونظام ملكي إيراني كان فاسدا في تلك الفترة الباكرة من القرن العشرين، فكان طبيعيا أن يكون عقدا مجحفا حيث كانت إيران تتقاضى نسبة 16 في المئة فقط لا غير من أرباح بيع بترولها كله في الأسواق الخارجية وربما كانت النسبة المدفوعة أقل من ذلك ولا أحد يعرف لأنه ما من أحد كان يتيسر له الاطلاع على دفاتر حسابات الاحتكار البريطاني في ذلك الحين.

وعندما حّل منتصف القرن استطاعت شركة النفط البريطانية ـ الإيرانية هذه أن تحقق في عام 1950 وحده أكثر مما دفعته لإيران من عائدات بموجب اتفاق الامتياز على مدى السنوات الخمسين الأولى من القرن العشرين.

لكن بقاء الحال بداهة من المحال.

ولذلك فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية فأحدثت نوعا من الحراك السياسي بين شعوب العالم. وعندما وضعت تلك الحرب أوزارها بدأت أقطار الدنيا - في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بالذات - تشهد صعود دعوات المطالبة بالاستقلال وحركات المد الوطني والوحدة القومية، ولم تكن إيران بعيدة عن هذا كله حيث اجتاحتها موجات المد الوطني التي حملت إلى سدّة السلطة الدكتور محمد مصدق في عام 1951.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 3:56 pm

يصف المؤلف الدكتور مصدق بأنه «كان إيرانيا مثاليا وكان يجسد دعوة التحرر في بلاده وكان مصمما على طرد شركة النفط الانجلو ـ إيرانية وعلى تأميم صناعة النفط الإيراني واستخدام عائد ذلك التأميم من أجل تنمية إيران» ويضيف المؤلف أيضا (ص 118): كان مصدق ارستقراطيا تعلم في أوروبا وقد بلغ التاسعة والستين عندما تولى رئاسة الوزراء منطلقا من مبدأين أساسيين آمن بهما وهما: الوطنية، والديمقراطية والوطنية كانت تعني استلام مقاليد السيطرة على موارد البلاد النفطية.

* أما الديمقراطية فكانت تعني تركيز السلطة السياسية في ساحة البرلمان المنتخب وأيضا في يد رئيس الوزراء بدلا من شاه إيران محمد رضا بهلوي. مع المبدأ الأول تحولت بريطانيا إلى عدو لدود ضد الدكتور مصدق. ومع المبدأ الثاني أثار محمد مصدق سخط الشاه.

والحاصل أن جاء ربيع عام 1951 فإذا بمجلسي البرلمان في طهران يصوتان بالإجماع على تأميم صناعة النفط وكانت لحظة تاريخية مشهودة احتفلت بها البلاد من أقصاها إلى أقصاها وأذاع راديو تعليقا قال فيه المذيع: كل ما عانته إيران من بؤس ومشقة ومن فساد، خروج على القانون عبر السنوات الخمسين الماضية كان سببه البترول من ناحية وضغوط واستغلال شركة النفط من ناحية أخرى» .

والحقيقة أن إيران أعلنت من جانبها أنها ستعوض الإنجليز عن كل ما أنفقوه على مرافق الشركة بل كان الدكتور مصدق لا يكف عن تذكير القاصي والداني بأن بريطانيا ذاتها لم تتورع عن تأميم صناعات الفحم والصلب في بلادها ومن ثم فكل ما تفعله حكومته هو النسج على منوال الإنجليز بمعنى تحويل ثروة البلاد إلى ما يحقق منفعتها وإجراء إصلاحات تحول بين الناس ومن اللجؤ إلى الثورة.


عنجهية الإنجليز

بيد أن الدبلوماسيين الإنجليز في الشرق الأوسط لم يقبلوا هذا الكلام ولا راقت لهم مثل هذه التصريحات وربما كانوا يخشون تكرار النموذج الإيراني خاصة وقد تجاوبت معه من مصر قرارات حكومة الوفد برئاسة الزعيم مصطفى النحاس بإلغاء المعاهدة مع بريطانيا ومن عجب أن يقول قائلهم بغير مواربة: نحن الإنجليز لدينا خبرة 100 سنة في كيفية التعامل مع هؤلاء السكان الأصليين (يقصد الوطنيين أبناء إيران) أن الاشتراكية (يقصد التأمينات) سياسة سليمة في انجلترا ولكن هنا (في الشرق) عليك أن تكون سيد الموقف تماما.

بل أن المؤلف يصل إلى حد القول إن الإنجليز رفضوا حتى تقاسم أرباح النفط الإيراني بنسبة 50 في المئة لكل طرف على نحو ما كان الأميركان يفعلون في أقطار مجاورة لإيران. لقد أصر الإنجليز على المقاومة.

ومشكلة الإنجليز أنهم كانوا قد اعتادوا السيطرة على مقاليد إيران على مدى أجيال استطاعوا خلالها أن يجدوا أعوانا وصنائع من العسكريين والصحافيين والقادة الدينيين ممن كان بوسعهم أن يطيحوا بحكومة مصدق إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك.

وهكذا دبرت لندن في الخفاء مخطط الإطاحة بالحكومة. وبينما كان العملاء يستعدون، وصلت الأخبار إلى رئيس الوزراء الإيراني الذي لم يجد بدا، كما يوضح المؤلف، من أن يأمر بإغلاق السفارة الإنجليزية في 16 أكتوبر 1954 وأن يعمل على ترحيل جميع الرعايا الإنجليز وأتباعهم بمن في ذلك العملاء الذين كانوا أيامها عاكفين على تدبير الانقلاب.

هنالك أسقط في يد بريطانيا، وعمدت دعاياتها الإعلامية إلى إطلاق كل ألفاظ الاستهانة والتشهير برئيس وزراء إيران المثقف الوطني العجوز، هكذا أطلقوا على الدكتور مصدق أوصافا من قبيل: المنفلت، المتعصب، الأحمق، زعيم العصابة، المعدوم الضمير، ثم فاقد الرشد والاتزان، الخ.

لكن الإعلام الأميركي وقتها كان له رأي آخر، ها هي مجلة «التايم» تختاره في يناير عام 1952 وتضع صورته على غلافها باعتباره «رجل العام» حيث كان يسبق في الاختيار زعامات وأسماء مدوية ما بين ترومان إلى تشرشل وما بين إيزنهاور إلى الجنرال ماك آرثر. صحيح أن المجلة الأميركية وصفته بـ «الانتهازي العنيد» إلا أنها أطلقت عليه لقب «جورج واشنطن الإيراني» بمعنى، محرر إيران.

في تلك الأيام اسودت الدنيا في أعين الحكومة البريطانية. لكن سحابات السواد ما لبثت أن انقشعت حين أعلن الرئيس الأميركي (الجديد) دوايت أيزنهاور أنه اختار لوزارة الخارجية سياسيا اسمه جون فوستر دالاس. في نفس الأيام كان كرميت روزفلت رئيس عمليات المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط يمر بلندن عائدا من طهران في طريقه إلى أميركا. وحين التقى «بالأخوة الزملاء» في الاستخبارات البريطانية قدموا له اقتراحا غريبا يبدأ بسؤال: ما رأيكم لو قمتم بالإطاحة بحكومة مصدق؟ .

بمعنى أن تنفذ أميركا الانقلاب الذي فشلت انجلترا في تنفيذه. بعدها سارعت لندن إلى إيفاد مبعوثها السري إلى أميركا اسمه كريستوفر وود هاوس وكان أن زار دالاس واستخدم حنكة الانجليز كي يدخل في روع الوزير الأميركي الجديد أن في وجود مصدق على رأس حكومة طهران تمهيدا لاستيلاء الشيوعية على مقاليد الأمور في إيران، وهو أمر لا ترضى عنه طبعا أميركا، زعيمة العالم الحر، ولا فوستر دالاس الذي كان يضمر مقتاً شديداً لموسكو وسياساتها وبالتالي يكره أي أصدقاء لها على مستوى العالم كله.

أول استجابة من جانب دالاس كانت استبعاد الغزو العسكري المباشر لإيران، ذلك أمر كفيل بإثارة الدب السوفييتي المجاور لأرضها. وإذن يكون اللجوء إلى السبيل الآخر، وهو العمليات السرية والمخططات التحتية وأداتها هي وكالة المخابرات المركزية التي كان جون فوستر دالاس، كما يؤكد المؤلف سعيدا للغاية بالاتصال بها والتعاون معها، لماذا؟ .

ببساطة لأن رئيس تلك الوكالة واسمه ألين، كان الشقيق الأصغر لوزير الخارجية الأميركية.


الشقيقان دالاس

يوضح المؤلف في هذا السياق أن موافقة الرئيس أيزنهاور على مثل هذه الإجراءات السرية للإطاحة بحكومة مصدق لم تكن بالأمر السهل. وكان على الشقيقين وزير الخارجية ومدير المخابرات إقناع أيزنهاور بأن كل هذه المخططات والتدابير لم تكن تقصد سوى وجه الحرية ومحاربة الشيوعية، صحيح أن مصدق لم يكن شيوعيا ولكن من كان يضمن اغتياله فجأة فإذا بالجماعة الحمر يحلون محله؟ .

أما آخر وسائل الإقناع داخل مجلس الأمن القومي الأميركي فقد تمثلت في العبارات التي أكدها الوزير دالاس وقال فيها: أيها السادة، إن المسألة لن تقتصر على حرمان العالم الحر (يقصد أوروبا وأميركا بالذات) من أرصدة هائلة يمثلها بترول إيران إنتاجا واحتياطيات. بل الخطر كفيل بأن يتسع مداه فإذا بنا في الأجل الزمني القصير نرى مناطق أخرى بالشرق الأوسط تضم نحو 60 في المئة من احتياطيات النفط العالمي وقد سقطت في براثن الشيوعية.

على هذا المشهد يعلن المؤلف قائلاً بوضوح أيضاً: كان جون فوستر دالاس يصدر في مواقفه تلك عن اثنين من الأفكار الثابتة التي أصبحت وسواسا يلح عليه في كل لحظة، الأولى حملت عنوان محاربة الشيوعية والثانية تجسدت في حماية حقوق الشركات العملاقة والاحتكارات متعددة الجنسيات في مجال النفط وفي غيره من المجالات.

والمهم أن بدأت العجلة الانقلابية في الدوران، وكان المشرف على دورانها هو الشقيق الأصغر، الين دالاس، وقع اختياره على جنرال إيراني متقاعد اسمه فضل الله زاهدي ليكون «القائد الشكلي» كما يصفه المؤلف للعملية، أرسل مليون دولار (مبلغ طائل بمقاييس نصف القرن الماضي) إلى محطة المخابرات الأميركية في طهران فيما بعث وزير الخارجية إلى سفيره في إيران لوي هندرسون بأن يتصل مع أي عناصر محلية تهتم بأمر المشاركة في التخطيط والتنفيذ وفي تقاسم الثمار وفي قبرص كانت قاعدة الانطلاق التي عمل على صعيدها الزميلان دونالدو ليور الأميركي ومعه نورمان داربشاير الانجليزي.

ويصف المؤلف (ص123) عملية التخطيط في عبارات يقول فيها: كانت الخطة غير مسبوقة ولم تماثلها أي خطة أخرى في أي بلد، كانت حساباتها تتم بعقلية باردة وأعصاب فولاذية مثل أي عملية طبية يجريها جراح. وكان هدفها ببساطة هو الإطاحة بالدكتور محمد مصدق بعيدا عن شعبه، وكانت الخطة تقضي بأن تدفع أميركا رشاوى بمبلغ 150 ألف دولار تقدم إلى جموع من الصحافيين والناشرين وغيرهم من قادة الرأي العام والوعاظ في حين كان الهدف حرفيا هو «إيجاد ونشر وإذاعة وتشجيع ما يذكي روح وموقف العداء وعدم الثقة والتخوف إزاء الدكتور محمد مصدق وحكومته».

بعدها يتم استئجار البلطجية كي يعمدوا إلى شن «هجمات مخططة سلفا» على الشخصيات الدينية ومن في حكمها من أعيان الإيرانيين وكأنهم مأمورون بذلك من جانب مصدق شخصيا! في نفس الوقت يمنحون الجنرال زاهدي مبلغ 135 ألف دولار لكسب المزيد من المؤيدين والتأثير على كبار الشخصيات، إضافة إلى مبلغ 11 ألف دولار تدفع أسبوعيا لرشوة من يقبل من أعضاء البرلمان. أما يوم الانقلاب ذاته فتدفع أجور ومكافآت إلى آلاف المتربحين كي يخرجوا في مظاهرات تتجه إلى البرلمان وتطالب بطرد حكومة مصدق، وبعدها يصدر البرلمان قرارا بذلك شريطة أن يخلع عليه ثوب الشرعية وإن رفض مصدق الانصياع والاستقالة تقوم باعتقاله العناصر الموالية للجنرال زاهدي.

كل هذه الترتيبات كانت بحاجة إلى قيادة متمرسة وقد اختاروا لها كرميت روزفلت خريج هارفارد البالغ من العمر وقتها 37 عاما وكان في طليعة خبراء الشرق الأوسط فيما كان أيضا حفيدا للرئيس تيودور روزفلت الاستعماري العتيد الذي ينسبون إليه تاريخيا أنه الرئيس الذي أدخل فكرة تغيير نظم الحكم ضمن سلوكيات ومصطلحات سياسة الولايات المتحدة.


نخب الانتصار

اختار روزفلت الحفيد 19 أغسطس 1953 يوم التنفيذ الذي تم وفق المخطط الموضوع وببراعة تامة. ولهذا جاء رد الفعل المبدئي من جانب الشاه للمقيمين معه وقتها في فندق بالعاصمة الإيطالية روما عبارة عن سؤال هتف به قائلا: هل الأمر صحيح حقا؟ .

بعدها عاد الشاه إلى طهران واستعاد عرشه ولم يلجأ بالطبع إلى اللقاءات السرية مع المبعوث الأميركي السوبر، كرميت روزفلت بل استقبله في قاعة القصر الفارهة معبراً عن عرفانه بالجميل. يقول المؤلف: كانوا ثلاثة احتسوا نخب الظفر من أقداح الفودكا، الشاه وروزفلت وزاهدي رئيس الوزراء الجديد، كانوا يعرفون أنهم استطاعوا تغيير مسار التاريخ في البلاد. بعدها كتب روزفلت سطوراً (في مذكراته) تقول: جمعت بيننا الابتسامات وأحسست وقتها بأن مشاعر الوفاء والصداقة كانت تخيم على أجواء المكان.


تابع

كتاب ـ 100 عام من العنف السافر والمخططات السريه







ورقة التين التي بحث عنها الرئيسان ريغان وبوش الأب



في ختام هذا الكتاب، يلقي المؤلف ستيفن كنزر الضوء على الأضرار الجسيمة التي تتعرض لها الأمم والشعوب جراء التدخل الأميركي في شؤونها ومصائرها، ويمضي بنا في رحلة لرصد جانب من هذه الأضرار، حيث يشير إلى الأوضاع عقب الغزو الأميركي لغرينادا وبنما وأفغانستان، ويحذر المؤلف فيما يشبه لحن الختام من ان الميديا الأميركية بمساهماتها المروعة تقف وراء ما يمكن وصفه بالنجاح الكارثي حيث تنهال على القراء والمشاهدين والمستمعين بأوصاف النجاح التي يتمتع بها وضع كارثي نجم عن تدخل أميركي آخر في هذه المنطقة او تلك من العالم.

في تحليله النقدي لهذا الكتاب (نيويورك تايمز، عدد 2/5/2006) كتب البروفيسور ريتشارد بتز من جامعة كولومبيا مؤكدا على حقيقة أن أسلوب واشنطن، وقد دام أكثر من قرن من الزمن في محاولة تغيير النظم الحاكمة فوق خارطة العالم، ألحق أضرارا بالغة بالأقطار التي تعرضت لذلك التغيير بقدر ما أصاب بأضرار جسيمة أيضا الولايات المتحدة ذاتها.

بيد أن الناقد يتوقف مليا عند الدور المنسوب إلى واشنطن ـ وإلى الدكتور كيسنجر وزير خارجيتها مع مطالع السبعينات ورئيسه ريتشارد نيكسون ـ في الانقلاب الدموي الذي أطاح بنظام الرئيس التتشيلي، سلفادور الليندي بل وأدى أيضا إلى نقل الرجل شخصيا إلى عداد الأموات.

يقول البروفيسور ريتشارد بتز ان التحقيقات الشهيرة التي أجراها الكونغرس الأميركي بمعرفة السيناتور فرانك تشيرش عام 1975 لم تعثر على قرينة وجيهة تشير إلى أن واشنطن قد حرضت أو ساعدت على الانقلاب العسكري الذي قاده في سنتياغو الجنرال أواوغستو بينوشيه في عام 1973.

وقد يتعارض هذا الرأي مع ما كشفت عنه وثائق أذيعت في العام الماضي وتشير بأصبع اتهام بشكل أو بآخر إلى ضلوع هنري كيسنجر ولو بصورة غير مباشرة في تلك الأحداث الدموية التي شهدتها تشيلي.

من ناحية أخرى يلتمس ناقد الكتاب بعض العذر للذين اتهموا واشنطن بهذا التواطؤ حين يضيف قائلا في تحليله الذي ألمحنا إليه: ـ إن فظائع نظام بينوشيه الذي لم يكتف باغتيال رئيسه بل تكشفت مؤخرا حكاية تجارته في الهيروين (الغارديان، عدد 12/7).

ناهيك عما شاهده المتفرجون في أحداث فيلم «المختفون أو المفقودون» الذي يصور حالات اختطاف واختفاء معارضي ذلك النظام الذي أطاح بحكومة الليندي وفرضه حكما أقرب إلى عنف ودموية الفاشية فضلا عما ذاع عن الرئيس نيكسون من مشاعر الغبطة والارتياح إزاء الإطاحة بالرئيس الليندي، كل ذلك أوجد الحكاية الفولكلورية التي تشير إلى ضلوع واشنطن في انقلاب تشيلي تماما، بقدر ضلوعها في الانقلاب على الدكتور محمد مصدق في إيران ثم الانقلاب على الرئيس أربنز في غواتيمالا (نلاحظ من جانبنا في هذا السياق أيضا أن كلا من تلك «العمليات» كان وراءها واحدة من أكبر الشركات المتعددة الجنسيات: في تشيلي كان الدور منسوبا إلى شركة الاتصالات السلكية واللا سلكية (آي. تي. تي.)، وفي إيران كان الدور منسوبا إلى شركة النفط الأنجلوـ إيرانية أما في غواتيمالا فكان القائم بالدور هو شركة الفواكه المتحدة.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:04 pm

رصد السلوكيات الحاكمة

مع ذلك يبقى للكتاب قيمته في أن مؤلفه، وعبر 385 صفحة من القطع المتوسط، عمل على تسجيل ورصد سلوكيات حكومات بلاده إزاء تغيير ما لم يكن يروق لها أو يتفق معها أو مع سياستها من نظم وحكومات.. لا تستثني في ذلك دولة في الشرق الأوسط، ولا بلدا في أميركا اللاتينية ولا دويلة جزيرة في مياه الكاريبي.

ولا شك أن مؤلف الكتاب استثمر في هذا كله محصلة خبرته الطويلة كمراسل خارجي مخضرم لكبريات الصحف الأميركية، فضلا عن براعته في عرض الأفكار بأسلوب صحافي جذاب يحرص فيه ـ على طريقة صحافة بلاده ـ على متابعة وإبراز العوامل الشخصية والمقابلات الخصوصية والآراء المتعلقة بالأفراد والشخصيات وكأنه كان يصنع بذلك ضفيرة يجدلها من واقع الحدث المسجل أو المعروف، وأيضا من واقع السلوك الشخصي القابع في أحيان كثيرة وراء ستار.

وبعد أن ينجز المؤلف البابين الأول والثاني من كتابه.. يودع قارئيه في الباب الثالث والأخير من خلال 4 فصول ختامية يضمها عنوان يتعلق بالتحول في سلوك واشنطن إلى حيث الغزو المسلح والتدخل السافر المباشر.

وبعيدا عن الإغراق في أحداث الماضي.. يبدأ المؤلف في آخر أبواب الكتاب بلمحة عن قرار الرئيس الأسبق ريغان بغزو غرينادا، كان ذلك في خريف عام 1983 وفي 21 أكتوبر بالذات جاءت الأنباء من غرينادا الجزيرة التي تبعد عن سواحل أميركا نحو 170 كيلومترا لتقول إن انقلابا قد وقع ضد حكومة الجزيرة وإنه تم على عجل وبغير محاكمة إعدام رئيس وزرائها. بعدها مباشرة بدأت بورصة التوقعات والتكهنات السياسية في العمل، وكان أول التوقعات يدور حول نظام الحكم الجديد في أعقاب تلك الأحداث.

لقد كان رئيس الوزراء السابق يساريا وكان مؤيدا لكوبا ورئيسها كاسترو الذي تكرهه أميركا كراهية التحريم.. لكن التوقعات ما لبثت أن اتخذت مسارا مختلفا حين قيل إن قادة الانقلاب أو «الخونتا» ـ العصبة الجديدة التي تريد السيطرة على مقاليد الأمور أعلنت أنها عاقبت رئيس الوزراء السابق ـ اليساري لأنه لم يكن يساريا بالقدر الكافي(!)، ومن ثم أعلن القادة الجدد أنهم سيفرضون نظاما شيوعيا يعلن مبادئ الماركسية ـ اللينينية على جزيرة غرينادا(!). بهذا حكم هؤلاء القادة على أنفسهم، فلا الجزيرة الوادعة في مياه المحيط كانت بحاجة إلى مثل هذا التطرف أو فلنقل الطفولة اليسارية ولا كان من حسن السياسة مثلا العمل عن عمد ومع سبق الإصرار على معاداة دولة كبرى في حجم الولايات المتحدة.. بوصفها الدولة الأكبر في المحيط الإقليمي الذي تتواجد فيه الدولة ـ الجزيرة التي كانت في السابق مستعمرة بريطانية.

والعكس كان هو الصحيح.. فقد هيأ قادة الجزيرة الجدد إحدى الفرص التي كان يتطلع إليها، بل كان يتلمظ من أجلها ريغان شخصيا.. وفي هذا يقول مؤلف كتابنا: أدرك مستشارو ريغان ـ على الفور أن أزمة غرينادا أتاحت للولايات المتحدة فرصة غير متوقعة لتسجيل نقطة أو إحراز نصر استراتيجي في سياق الحرب الباردة. وكان الأميركيون بدورهم تستبد بهم اللهفة إلى مثل هذه الفرصة.

أكثر الأميركيين كانوا فريسة الإحباط من جراء الهزيمة التي أصابتهم في فيتنام فضلا عن أزمة الرهائن في إيران التي طال أمدها وآلامها على السواء ومن ثم عاشوا عقدا بأكمله من الزمن يعانون ما كانوا يعتبرونه شعورا بالمهانة على الصعيد العالمي. ولم يكن أحد ينسى أنهم حين صوتوا لصالح ريغان في عام 1980 ما كان ذلك سوى لأن الرجل وعدهم بأن يستعيد «مكانة» الولايات المتحدة في العالم. وها هي غرينادا تتيح له هذه الفرصة.

شرع المعاونون في الإدارة الأميركية يفتشون عن أسباب وذرائع ومبررات للغزو. كان هناك مثلا بضع مئات من الطلاب يدرسون في كلية الطب في الجزيرة الكاريبية (تقليد متبع نظرا لرخص التكاليف مقارنة بكليات أميركا نفسها) وربما كان الموقف المتوتر في الجزيرة يقتضي إجلاؤهم ويقفل الملف بعد ذلك. لكن معاوني الرئيس ريغان كانوا يرغبون في التصعيد وفي التلويح بالسيوف والخناجر، كما يقول المثل المتواتر، وفي إظهار رئيسهم في إهاب رجل الدولة الحازم الصارم.. فما بالك بفرصة سنحت لكي يصدر أوامر غزو بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة!..


البحث عن ورقة التين

كان القوم بحاجة إلى ذريعة ـ تكئة أو مبرر ولو كان بسيطا واهيا ـ ورقة توت (في المصطلح الأميركي يسمونها ورقة تين) وهكذا تم الاتصال برؤساء وحكام سائر دول الكاريبي الذين أقلقتهم ولا شك تطورات الموقف في غرينادا دع عنك خطورة تحويل دفتها إلى اليسار الماركسي ـ اللينيني وبعدها أعلنوا موافقتهم على قيام أميركا بغزو الجزيرة.. الذي تم فعلا.

صحيح أن الجمعية العامة للأمم المتحدة عارضت غزو غرينادا واصفة العملية بأنها «انتهاك سافر للقانون الدولي» لكن الصحيح أيضا أن الرئيس ريغان لم ينتظر سوى بضعة أسابيع لكي يدلي بخطاب مفعم بالعواطف أمام جمعية الكونغرس في نيويورك ويومها جهد معاونوه ـ كما يقول مؤلفنا ـ مؤكدين أن الرئيس هو الذي صاغ بنفسه سطور هذا الكتاب الذي اختتمه رونالد ريغان بحديث عن درس غرينادا المستفاد للأميركان وللعالم حيث قال: هكذا انتهت أيام ضعفنا، وها هي قواتنا المسلحة تقف من جديد على قدميها وتطاول قامتها عنان السماء.

بعدها جاء الدور على بنما، وهي بدورها الدويلة المجاورة للعملاق الأميركي في منطقة أميركا الكاريبية الوسطى. هي موضوعيا تتسم بأهمية إستراتيجية بالنسبة لواشنطن باعتبار أنها تحتل أولا موقعا مفصليا في منطقة ما بين الأميركيتين الشمالية والجنوبية ثم تمر بإقليمها ثانيا قناة بنما التي تصل ما بين المحيطين الهادي والأطلسي بصورة أو بأخرى (بالمناسبة المهندس الذي أشرف على حفر قناة بنما في أميركا الوسطى وقناة السويس في مصر العربية مهندس واحد هو الفرنسي فرديناند دي ليسبس).


غزو والجنرال

وبنفس المقياس جاء الدور على الرئيس جورج بوش ـ الأب الذي خلف ريغان وكان محتاجا بدوره إلى أزمة تتم معالجتها وتؤدي إلى رفع معنويات الناخبين الأميركيين. أما التاريخ فكان ختام عام 1989 وجاءت هذه الأيام الباردة لتشهد الفصول الختامية لمأساة دولة لاتينية صغيرة هي مأساة الصراع بين أميركا وبين عميل سابق لها اسمه نورييغا كان يتولى وقتها منصب قائد الجيش في بنما وكان يعد رجل بلاده القوي..

يفرض من يشاء من رؤساء الجمهوريات وضد إرادة الناخبين.. يتواصل مع أميركا بدرجة عميل لدى مخابراتها ويتواصل مع كولومبيا بدرجة شريك في تجارة المخدرات مع عصابات مهربيها ـ وبلغ راتبه السنوي من المخابرات المركزية 110 آلاف دولار بوصفه ـ كما يؤكد المؤلف ـ كان أهم محور للعمالة في أميركا اللاتينية بأسرها. لكن ها هو الجنرال العميل يشق عصا الطاعة ويبدي سلوكيات التمرد على مخدوميه ويصل الأمر إلى مصادمات لم يعالج أمرها بين جنوده وبين جنود المارينز الأميركان المرابطين في بلاده.. بل يصل إلى حد مقتل عدد من هؤلاء المارينز في منطقة القناة التي تتمتع بوضع دولي إقليمي خاص.

هكذا، وبينما كان أطفال بنما يرددون أنشودة «فليس نافيداد» احتفالا بمقدم عيد الميلاد استدعى الرئيس بوش ـ الأب كبار مساعديه وأعلن عزمه على توجيه ضربة إلى بنما بشكل عام وضد الجنرال نورييغا بشكل خاص وحملت الخطة التي وضعها رئيس الأركان الأميركي اسم «الملعقة الزرقاء» وكان رئيس الأركان هو الجنرال كولن باول الذي أصبح وزيرا للخارجية في مستقبل الأيام.

وتم تنفيذ خطة غزو بنما وأدت الملعقة الزرقاء إلى إزاحة رجلها القوي الذي كان طاغية وعميلا ومهربا للمخدرات ولم تفلح مناوشاته دون أن يسلم نفسه ويتحول إلى سجين في أحد محابس ميامي بولاية فلوريدا.

بعدها ينقلنا مؤلف كتابنا إلى أحد الأيام المشهودة في تاريخ القارة الآسيوية وربما تاريخ واحد من أشد الصراعات مرارة في العالم، وهو 27 سبتمبر عام 1996 اليوم الذي يصفه الكاتب بأنه شهد زحف قوات «طالبان» الظافرة لكي تستولى على كابول، عاصمة أفغانستان وتفرض عليها نظاما جديدا ترعاه أميركا وباكستان ودول أخرى.

في هذا الإطار يتقصى المؤلف الأميركي جذور هولاء الحكام الجدد في أفغانستان.. على صفحة 272 وما بعدها ـ قرب نهايات هذا الكتاب يوضح ستيفن كنزر «كيف تخلت باكستان مع أوائل التسعينات وبعد الانتصار على قوات الروس (السوفييتية سابقا) وطرد فلولها من أرض أفغانستان ـ تخلت عن جماعات المجاهدين الأفغان ولم تتحمس لإعلان واحد من رموزهم، وهو حكمتيار لتسلم السلطة العليا في البلاد، وإنما لجأت باكستان ـ يضيف المؤلف ـ إلى تجنيد اللاجئين الأفغان المتشددين وكانوا ملتحقين بآلاف المدارس الدينية في باكستان وقامت بتنظيمهم ضمن وحدات عسكرية مدربة وجيدة التسليح. وفي نهاية عام 1994 كانت هذه الوحدات وقد حملت اسم طالبان نسبة إلى طلاب العلم الديني قد بلغ قوامها نحو 20 ألف مقاتل سرعان ما تلقوا تمويلا سخيا من مصادر شتى».

يضيف المؤلف قائلا في هذا السياق: كان طالبان يدينون بالكثير للولايات المتحدة ذاتها، لأن بعض قادتهم كانوا قد تعلموا فن الحرب خلال الثمانينات وفي معسكرات تولت أمرها المخابرات المركزية الأميركية في إطار الحملة المناهضة للغزو والاحتلال السوفييتي. ومنهم أيضا من تحول إلى جادة التشدد (وربما التعصب) وسط أجواء هيأتها المخابرات الأميركية أيضا مع ذلك ورغم أن مساعدات أميركا وباكستان كانت كفيلة بتوصيل طالبان إلى قمة السلطة في كابول إلا أنهم تلقوا عونا إضافيا من مصدر لم يكن متوقعا واسمه بن لادن الذي عاد إلى أفغانستان بعد سنوات أمضاها في السودان ومعه جماعة «القاعدة» أياها.

ولفوره بادر إلى الاعتراف بحركة طالبان بوصفها «تجسيدا للأفكار التي كان يدعو إليها» وقدم 3 ملايين دولار لدفع انتصار تلك الحركة إلى الأمام.. وتطورت الأحداث إلى أن جاء يوم السابع والعشرين من سبتمبر 1996 حين اجتاحت مفرزة طالبان مجمع الأمم المتحدة في العاصمة الأفغانية حيث كان يعيش «نجيب الله» الرئيس الأفغاني المخلوع وقبضت عليه ثم أعدمته شنقا وظلت جثته معلقة تتأرجح في الهواء في ميدان عام.


فتش عن «أونوكال»

فيما كانت سلوكيات طالبان في حكم بلادهم تثير كثيرا من علامات الاستفهام والاستغراب، إلا أن أميركا ـ على نحو ما يؤكد المؤلف (ص 273) ـ ظلت تحتفظ بعلاقات جيدة معهم.. ولدرجة يقول معها دبلوماسي أميركي مخضرم ومتمرس بأحوال تلك المنطقة واسمه «مارتن أيوانس» أن واشنطن ظلت تلتزم الصمت إزاء ما كانت تقدم عليه عناصر طالبان الحاكمة من تصرفات وصلت إلى حد بالغ من الغلو والتطرف.

نلاحظ أن المؤلف يسوق، على عادته مبررا لهذا السكوت أو الاغضاء حين يقول: السبب الواضح في هذا هو أن شركة نفط أميركية هي «أونوكال» أرادت أن تشيد خط أنابيب بتكلفة ملياري دولار لنقل الغاز الطبيعي من حقوله الغنية في تركمانستان (الجمهورية الإسلامية ـ السوفييتية سابقا في آسيا الوسطى) إلى أسواق باكستان الناشطة وربما إلى الهند نفسها وكان يتعين على الخط المنشود أن يجتاز أراضي أفغانستان التي كانت الشركة الأميركية النفطية الكبرى تريد أن ترى في كابول حكومة (ولو على شاكلة طالبان) تستطيع أن تبسط السيطرة وتشيع الأمن في أرجاء البلاد.

وسط هذه الملابسات يظهر اسم «وين رافيل» وكانت تتولى في حقبة كلينتون منصب مساعد وزير الخارجية وكانت اهتماماتها بالأمر ذات طابع وهدف تجاري بالقطع على نحو ما يذكر مؤلفنا. وأثناء زيارتها إلى كابول في عام 1996 أعربت عن أملها في العمل على تسهيل الأمور أمام مصالح البزنس الأميركية. وبعد عودتها حذرت مسؤولي واشنطن من أن عدم التعامل (التفاهم) مع طالبان بشأن شبكة خطوط الغاز معناه ضياع فرصة اقتصادية سانحة.

ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحولت معها الدفة من التفاهم والتجاوز إلى العداء السافر العميق بين واشنطن ـ بوش وتشيني وبين كابول ـ طالبان. كان العالم متعاطفا إزاء ما حاق بأميركا في تلك الكارثة التي لا يقبلها المنطق الإنساني بحال.. وكان الغضب يكاد يحرق نفوس الجماهير الأميركية إزاء سقوط رمزها في المركز التجاري في نيويورك وإزاء ضياع أرواح بريئة من أبنائها.

وكانت قوى ومصالح وملابسات وتشابكات بغير حصر تشير إلى أن منشأ العنف ومن ثم الكارثة قد جاء من أفغانستان التي صدر أمر الرئيس بوش ـ الابن بغزوها لإسقاط طالبان في 7 أكتوبر عام 2001 وبعد قتال دام 78 يوما من فاجعة الحادي عشر من سبتمبر أعلنت واشنطن انتصارها مع اكتمال الاستيلاء على قندهار والعاصمة كابول وجاء هذا الانتصار حلقة جديدة ضمن سلسلة السلوك السياسي الأميركي التي تحمل عنوان «تغيير النظم» وهي السلسلة التي يحرص مؤلف كتابنا على أن يؤكد بحكم خبرته الصحافية والسياسية الطويلة، أنها دامت واستطالت عبر قرن ويزيد من عمر الزمان المعاصر.

بقي في هذا الكتاب الحافل فصلان يكادان يشكلان في سطورهما وأفكارهما وأحكامهما لحن الختام في موضوع الكتاب. في أول الفصلين (يحمل الرقم 13 في مسلسل فصول الكتاب) يتوقف المؤلف، والعهدة عليه طبعا ـ وعلى صفحة 289 عند مشهد حواري مختصر جمع بين الرئيس بوش وبين مساعده الأول لشؤون مكافحة الإرهاب ريتشارد كلارك.. دار الحوار في غرفة العمليات بالبيت الأبيض وكان ذلك بعد أيام قلائل من حادثة سبتمبر 2001.. عمد الرئيس إلى ركن في القاعة ثم بادر إلى حديث خاص مع ريتشارد كلارك قائلا: أريدك أن تسترجع الأحداث بأسرع ما تستطيع كل الأحداث وترى إذا ما كان صدام قد ارتكب هذا الأمر (قصف المركز التجاري) كي نعرف إذا ما كان له أي صلة بالمسألة بأي طريقة.

رد ريتشارد كلارك وهو راوية هذا الحوار في الكتاب:

لكن يا سيادة الرئيس. القاعدة هي التي فعلتها.

أعرف ذلك.. أعرف.. لكن استوضح من جانبك إذا ما كان صدام مشاركا، مجرد جهد تبذله أريد أن أعرف أي شاردة أو واردة.

بالقطع سوف نعاود النظر من جديد.

وقتها كان الموقف مشحونا وكان حافلا بالتوتر ولا سيما في عقابيل حوادث سبتمبر سواء في المنطقة زيرو في نيويورك أو في طائرة محلقة فوق ولاية بنسلفانيا أو مبنى البنتاغون في واشنطن.

مع ذلك فمن مفارقات هذا الموقف المشحون بالتوتر أن يدور حوار آخر بين كلارك، أكبر مسؤولي مكافحة الإرهاب في الإدارة الأميركية وبين كولن باول وزير الخارجية وقتها، وهو كما يعرفه الجميع رجل عسكري محنك ويفهم بالطبع في قضايا الاستراتيجية وخباياها. وعندما تناثرت الأحاديث ـ الأقاويل عن ضرورة غزو العراق.. قال كلارك مخاطبا الجنرال الوزير كولن باول:

أما وقد هاجمتنا «القاعدة» فنحن عندما نتجه من جانبنا إلى قصف العراق في معرض الرد على هذا الهجوم سنكون كمن قام بغزو المكسيك بعد أن تعرضنا لهجوم اليابان في (ميناء) بيرل هاربور.

الفاصل بين هجوم أفغانستان والهجوم على العراق هو 7 أشهر لا غير.. وبهذا أيضا ـ يوضح ـ مؤلفنا ـ نفذت أميركا 4 عمليات غزو لأقطار أجنبية في غضون 20 سنة، هي الفترة الفاصلة بين عامي 1983 و2003 ما بين غزو غرينادا إلى بنما وما بين غزو أفغانستان إلى غزو العراق. وكان الهدف دائما يحمل شعار «تغيير النظام» وإن كان الأمر لا يخلو ـ إعلاميا بالطبع من الحديث عن الديمقراطية والانتخاب الحر وضرورات السهر على الأمن القومي للولايات المتحدة.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:14 pm

النجاح الكارثي

من ناحية أخرى يحذر المؤلف في الصفحات الأخيرة من أن هذه التغييرات التي ترّوج لها الميديا في أميركا أو في غيرها لا تلبث أن تخلّف في أعقابها مشاعر تجمع بين المرارة ومعاناة الآلام بمعنى أنها لا تحقق الاستقرار ولا تضمّد الجراح ولا تدفع البلد ـ الهدف إلى الأمام في مجالات المصالحة الوطنية أو التنمية الاقتصادية أو الوئام الاجتماعي أو الاستقرار السياسي بشكل عام.

من جانبها تعمد الميديا الأميركية، الموالية للإدارة الحاكمة بالذات إلى تصوير الأمر على أنه نجاح باهر بصورة أو بأخرى.. يشهد بهذا لقطة الرئيس بوش في عام 2005 وقد وقف أمام إحدى قطع الأسطول الأميركي ومن خلفه ارتفعت لافتة تقول بأن المهمة قد نفذت وبمعنى أن الأمر قد تكلل بالنجاح.

هنالك نشعر ونحن نودع سطور الكتاب بأن المؤلف يتربص بهذه الدوائر التي تحدثت وما زالت تتحدث عن الإنجاز والنجاح ومن ثم فهو يطلق عليه وصفا غريبا هو: النجاح... الكارثي.

والمؤلف في هذا يحاكم المسار الذي آلت إليه تطورات الأحداث، وهو أيضا يحتكم إلى النتائج السلبية التي نجمت عنها وإلى الطموحات التي لم تتحقق بعد من عمليات الغزو بكل ما تنطوي عليه من مغارم فادحة وتكاليف باهظة تتحملها وتكابدها كل الأطراف على السواء.

وهو يدعو بلاده وقومه وقادة شعبه إلى أن يعطوا الفرصة أساسا ومليا إلى الحلول الدبلوماسية وإلى مد الجسور مع الشعوب بدلا من المبادرة إلى التهديد بتدمير تلك الجسور ناهيك بنسفها فعلا. وبهذا يختتم الكاتب ستيفن كنزر مرافعته (ص 320) قائلا: ثمة تدابير حصيفة ورشيدة كان لها فعل السحر والمعجزة في حل مشكلات مع أقطار شتى: تدابير تجمع بين: بناء المجتمع المدني، ودعم روح الاستثمار المنتج، وتعزيز التبادل التجاري، وتشجيع اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للمشكلات التي تواجه المجتمع الدولي.
[كتاب


COLOR="Nav
y"]الصين .. الخطر القادم ! .

--------------------------------------------------------------------------------


استراتيجية سرية صينية للهيمنة على العالم سنة 2025


كتاب " الصين: الخطر المتفاقم " ، تأليف قنسطنطين مينجيس ، الصادر عن دار نيلسون كارانت يذكر بأدبيات الحرب الباردة ، التي أسفرت عن سقوط الاتحاد السوفييتي وانحلاله .

والخطر أو التهديد الصيني الذي يحذّر منه الكتاب ، هو خطر على الولايات المتحدة ، وتهديد لها دون غيرها .

الكتاب في مجمله ، عرض لما يرى المؤلف انه استراتيجية صينية تهدف الى بسط السيطرة على العالم ، كما يتضمن اقتراحاً لاستراتيجية مضادة ، يرى ان على الولايات المتحدة ان تتبعها للوقوف في وجه هذه السيطرة.

عن المؤلف ، الذي ولد في بولندا سنة ، 1939 وتوفي في الولايات المتحدة سنة 2004 ( بسرطان المثانة ) ، قبل ان يرى كتابه النور ) ، يقول صديقه بيل جيرتس ، في تمهيده للكتاب :

ان قنسطنطين مينجيس قد خلّف بموته المفاجئ فراغاً استراتيجياً في الولايات المتحدة وفي العالم ، حيث كان يدرك بوضوح الخطر الذي تشكّله الصين وروسيا . وكان " مفكراً استراتيجيا لا يشق له غبار ، ويدرك بوضوح ان الديمقراطية منتهى آمال العالم بالسلام . كما كان يعلم ان الدكتاتورية والشيوعية عدوان لدودان للحرية والرخاء مهما حاولتا الظهور بمظر آخر.. وهو يعتبر الصين خطراً وتهديداً لانها “دكتاتورية شيوعية مسلحة نووياً " .

ويقول عنه صديقه ايضا : " انه كان يدرك ان " دعم الحرية والديمقراطية يتطلب ما هو اكثر من المقاومة السلبية ، وان اتباع السلبية إزاء المستبدين ما هو الا استراتيجية خاسرة " .

ويتابع جيرتس ، قائلا عن المؤلف : انه كان لاعباً رئيسياً من وراء الستار ، في واحد من أهم الاجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي .. ويشير بذلك الى " تحرير " جزيرة جرينادا الكاريبية في اكتوبر/تشرين الاول 1983.. حيث اعتبر ذلك " أول قضاء على نظام شيوعي ، واستعادة للديمقراطية ، وانه يشير الى بداية زوال الشيوعية السوفييتية .

وكان مينجيس يعتقد ، كما يقول صديقه ، ان الاجراء الذي قامت به الولايات المتحدة قد حال دون تأسيس " دولة سوفييتية كاريبية " ، كان يمكن ان يؤدي قيامها الى نشوب أزمة أسلحة نووية في النصف الغربي من الكرة الارضية.

واضافة الى الدور الذي لعبه المؤلف في غزو جرينادا ، خلال عمله في ادارة ريجان من 1981 الى ، 1986 كان من المساعدين الرئيسيين لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية ، وليام كيسي ، في شؤون امريكا اللاتينية .

وكان المؤلف ، الى جانب ذلك ، من أهم المساهمين في تطوير ما أصبح يعرف باسم مبدأ ريجان القائم على " احتواء العدوان السوفييتي والرد عليه " ، ذلك العدوان ، الذي " كان ينفذ على أيدي المتمردين المسلحين والحركات الارهابية " اهـ .



* * * *

يقول المؤلف في مقدمة كتابه ، ان الصين وروسيا قوتان عظميان ناشطتان على الصعيد الدولي، قامتاً مؤخراً بتوقيع معاهدات تحالف سياسي عسكري في ما بينهما. وان الصين تظل دولة دكتاتورية شيوعية، في حين ان روسيا تمر في حالة انتقال هش متعثر نحو التعددية السياسية والديمقراطية وهو يرى ان على الولايات المتحدة ان تظل حذرة متيقظة، مقتدرة، وواقعية في علاقاتها مع هاتين الدولتين، لأن كلا منهما، في حال نشوب صراع جدي، تملكان امكانات اطلاق أسلحة نووية، تستطيع خلال ثلاثين دقيقة ان تقتل ما يزيد على مائة مليون مواطن امريكي.

ويضيف المؤلف ان كتابه يقدم المعلومات والآراء التي تلقي الضوء على الاخطار المتراكمة ببطء دون ان يلحظها أحد، التي تكتنف العلاقات الامريكية مع كل من الصين وروسيا . كما يقدم الكتاب ، مقترحات بشأن اتباع سياسات أعمق وأكثر توازناً نحو هاتين الدولتين ، من شأنها ان تحفظ السلام ، وتزيد احتمالات الارتقاء السياسي البناء لهاتين الدولتين باتجاه الديمقراطية .

ويبرر المؤلف تركيزه على الصين ، بالقول ان هذه الدولة الشيوعية ، منذ سنة ، 1990 تعرّف الولايات المتحدة بأنها " عدوها الرئيسي " ، وانها لجأت الى التجسس لسرقة تصاميم جميع الرؤوس الحربية النووية الامريكية تقريباً ، وغيرها من الأسرار العسكرية ، وانها ركزت تحديثها العسكري ، وعقيدتها ، وأسلحتها المتطورة الفتاكة على القوات الامريكية في المحيط الهادىء ، وهددت علناً بتدمير مدن امريكية كاملة اذا ساعدت دولة تايوان الديمقراطية في الدفاع عن نفسها ضد هجوم عسكري صيني.

كما ان الصين ، يقول المؤلف، قد أشركت روسيا في دعم ذلك التهديد من خلال معاهدة التحالف بينهما، والتصريحات المشتركة العديدة التي دأب قادة البلدين على اطلاقها في مؤتمرات القمة الصينية الروسية، والتي أعقبتها التدريبات العسكرية التقليدية وتدريبات الصواريخ، الروسية واسعة النطاق.

ويتابع المؤلف قائلا : ان الخطر الرئيسي المتفاقم ينبع من استراتيجية الهيمنة الجغرافية السياسية، والاقتصادية، التي تمارسها الصين خلسة .. حيث يرمي النظام الشيوعي الذي يزداد تصميماً وغنى في الصين ، الى الهيمنة على تسعة أعشار آسيا ، التي تدعي بكين انها مجال نفوذها ، واستخدام ذلك منصة للانقضاض منه والسيطرة على العالم . وهذا يضع الصين في مسار تصادم مباشر مع الولايات المتحدة ومصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية .

وتنطوي ممارسة الهيمنة الاستراتيجية والاقتصادية التي تَجِدُّ الصين في طلبها خلسة، دون اللجوء الى الحرب المعلنة، على تمركز عالمي استراتيجي واقتصادي ، وعلى تحالف جديد مع روسيا ، لا يحظى بالملاحظة رغم اهميته الشديدة.

كما ان الصين تستخدم فائضها التجاري المتراكم والذي يفوق تريليون دولار ، و400 مليار دولار اخرى من الاستثمارات في اوروبا الغربية منذ سنة ، 1990 في بناء اقتصادها ، وأنظمة صواريخها النووية وغيرها من الأسلحة المتطورة، الموجهة بصورة اساسية نحو الولايات المتحدة.

وتحاجج الصين رسميا بأن جميع التحالفات الأمنية الامريكية في آسيا، تشكّل انتهاكاً للسيادة الصينية، وانه يجب انهاؤها . وفي الوقت ذاته ، يوجد لدى الصين مطالب في اراضي اربع عشرة دولة من الدول الخمس والعشرين المجاورة لها، كما تؤكد انها تملك السيادة الكاملة على 450 ألف ميل مربع من المياه الدولية في بحر الصين الجنوبي، الذي يعبر من خلاله نصف التجارة في العالم كله، بما في ذلك موارد الطاقة، ذات الاهمية الحيوية الحاسمة لليابان وكوريا الجنوبية.

ويمضي المؤلف قائلاً : ان الصين تبيع اكثر من 40% من صادراتها الى الولايات المتحدة ، مما يوفر لها معظم المال اللازم لنموها الاقتصادي وبنائها العكسري . وفي الوقت ذاته تستخدم الصين ممارسات تجارية غير عادلة ، للحصول على ملايين الوظائف وفرص العمل الامريكية ، في خضم سعيها الى ان تصبح المصْنع العالمي لمنتجات التكنولوجيا المتطورة، والبرمجيات والخدمات . وبذلك ، يشكل النظام الصيني الشيوعي خطراً عظيماً غير ملحوظ بوضوح ، لا على الأمن الامريكي وحسب ، بل على وظائف العمال الامريكيين كذلك .

ويمضي المؤلف في توضيح أبعاد الخطر الصيني والروسي على الولايات المتحدة فيقول ، ان هاتين الدولتين وقعتا معاهدتي تحالف سنة ، 2001 وانهما منذئذ تمارسان استراتيجية مع الولايات المتحدة ذات مستويين :

تقدم إحداهما على ممارسة العلاقات الطبيعية سعياً وراء تحقيق منافع سياسية واقتصادية، بينما تستخدمان في الوقت ذاته وسائل سرية لمجابهة الولايات المتحدة والوقوف في طريقها. ففي تحديات السياسة الخارجية الحالية الكبرى التي تواجهها الولايات المتحدة والعالم المتحضّر الآن في الحرب على الارهاب - مثل قضية كوريا الشمالية ، وايران ، ونشر أسلحة الدمار الشامل ، وتهدئة الأوضاع في العراق ، وافغانستان ، وعملية السلام في الشرق الاوسط - تقف الصين وروسيا سراً في الجانب الآخر .

وعلى سبيل المثال ، وحتى بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول الارهابية الجماعية ، داخل الولايات المتحدة ، تظل الصين وروسيا - يقول المؤلف - الجهة الرئيسية الرائدة في توفير أسلحة الدمار الشامل ومكونات الصواريخ البالستية والخبرات، للدول المعادية للولايات المتحدة والراعية للارهاب ، التي ظلتا حليفتين لها على الصعيدين السياسي والعسكري ، ومن بينها كوريا الشمالية ، وايران وسوريا وليبيا وكوبا .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:22 pm

استراتيجية سرية

يمهد المؤلف للحديث عما يسميه استراتيجية الصين السرية نحو الهيمنة على العالم ، بالتذكير بالمبادئ التي أعلنتها حكومة الصين الشيوعية في خمسينات القرن الماضي ، والتي قالت فيها ان هدفها في السياسة الدولية هو تعزيز العلاقات السلمية مع الدول الاخرى .

وتتلخص " المبادئ الخمسة للتعايش السلمي " في : الاحترام المتبادل لأراضي وسيادة الدول الاخرى ، والامتناع المتبادل عن العدوان ، وعدم التدخل المتبادل في الشؤون المحلية للدول الاخرى ، واقامة علاقات متكافئة مع الدول الاخرى لخدمة مصالح الطرفين ، والتعايش السلمي .

ويتابع المؤلف قائلا : في المقابل تسعى الدكتاتوريات الايديولوجية او التوسعية مثل النظام في الصين ، الى تحقيق الأمن الدولي من خلال الهيمنة واحباط الحكومات التي يحتمل ان تشكل خطراً عليها .

يقول المؤلف : انه لا بد للصين من السعي الى الهيمنة للأسباب التالية :

اولاً : الحفاظ على قوة الحزب الشيوعي الصيني وحكمه المطلق ، في مقابل ما تعتبره الصين مؤامرة امريكية ترمي الى إحداث " ارتقاء سلمي " في الصين من الدكتاتورية الى الديمقراطية فهي تعتقد ان الولايات المتحدة والدول الديمقراطية الاخرى تسببت في إنهاء الحكم الشيوعي في اوروبا الشرقية، وانحلال الاتحاد السوفييتي. وقد عبّر الرئيس الصيني جيانغ عن ذلك صراحة سنة 2000 حين قال: " ان كفاحنا في القتال ضد القوى الغربية المعادية التي تتسلل الينا سعياً الى الاطاحة بالحزب، كفاح طويل ومعقد، وسوف يصبح في بعض الاحيان بالغ الشدة " .

والسبب الثاني ، للهيمنة الصينية في نظر المؤلف هو مجابهة القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها ، التي تعتبرها الصين عاملاً مهما من عوامل الحد من قدرتها على السيطرة على تايوان وتحقيق اغراضها في آسيا . فهذه القوة العسكرية هي التي تتيح للولايات المتحدة ، دون غيرها من دول العالم ، ان تعلن بيع عدد ضخم من الأسلحة الدفاعية لتايوان يوم 23 ابريل/نيسان ،2001 وتتيح للرئيس جورج برش ان يخرج في اليوم التالي ، ويقول : اذا هاجمت الصين تايوان ، فإن الولايات المتحدة " سوف تفعل كل ما بوسعها لمساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها " .

ويضيف المؤلف ان هذه القوة العسكرية قد تجلت في حرب الخليج سنة ، 1991 والقضاء على حركة طالبان سنة ، 2001 والإطاحة بنظام صدام حسين 2003 وهي كامنة في ترسانة الاسلحة الامريكية التي تضم ستة آلاف سلاح نووي استراتيحي ، وفي نظام التحالفات الامريكية .

والسبب الثالث هو رغبة الصين في ضمان استمرار تحديث اقتصادها ونموه . فمنذ ان انخرطت الصين في الاقتصاد العالمي سنة ، 1978 اتضح لها بفعل نموها الاقتصادي السريع ، ونجاحها الهائل في تطوير تقنياتها المدنية والعسكرية المتقدمة ، ان وصولها الى الموارد الاقتصادية والتكنولوجية والمعدنية العالمية ، امر جوهري في نجاحها المستقبلي .

والواردات النفطية مثال على حتمية اعتماد الصين المتزايد على الموارد الخارجية . ففي سنة ،2000 استهلكت الصين نحو اربعة ملايين برميل نفط في اليوم ، وانتجت نحو 3 ملايين برميل يومياً. وقد نما الاقتصاد الصيني بمعدل يفوق 7% على مدى سنوات عدة، وعلى افتراض استمرار النمو الاقتصادي الصيني بمعدل 5،5%، يقدّر ان تسورد الصين 4 ملايين برميل نفط في اليوم بحلول سنة 2010 و6 ملايين برميل في اليوم سنة 20 20.

وإذا كان النمو الاقتصادي السنوي في حدود 8% من سنة 2000 إلى سنة ،20 20 فقد يعني ذلك ان الصين سوف تحتاج الى استيراد نحو 8 ملايين برميل يوميا، في سنة 20 20.

وتشير بعض التقديرات الى ان الطلب العالمي على النفط قد يزداد بمقدار 35 مليون برميل يوميا بحلول سنة ،2010 حيث يكون الانتاج الكلي أقل من المطلوب بكثير، ويشير ذلك الى ان الدول الرئيسية المستوردة للنفط مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان، سوف تخوض منافسة مع الصين أشد من المنافسة التي حدثت في صيف وخريف سنة ،2004 إذا لم تلب موارد النفط العالمي الطلب المتزايد في العالم. كما تحتاج الصين كذلك الى مواصلة استيراد كمية كبيرة من التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها التكنولوجيا العسكرية المتطورة، من اجل تحقيق أهدافها الحالية. والحصول على هذه الواردات يعني انه يجب على الصين أن تمتلك المال للحصول عليها، وان يتاح لها الوصول إليها.

والسبب الرابع للهيمنة الصينية هو ما يسميه المؤلف الاندماج الحاصل ما بين التقاليد التاريخية للامبراطورية الصينية، والايديولوجيا الماركسية اللينينية الماوية، ويضيف المؤلف في هذا الصدد، ان سعي الصين الى الهيمنة على آسيا أولا، ثم بوراسيا، ثم العالم أخيرا، يتماشى مع التقاليد الامبراطورية الصينية القديمة، والصين لا تسعى الى احتلال وإدارة دول العالم، بل الى ضمان عدم قيام أي دولة مهمة بالعمل ضد أهداف الصين، والى ضمان استمرار حصول الصين على الموارد التي تحتاج إليها وبالشروط التي تلائمها.

ينتقل المؤلف بعد ذلك الى ما يسميه مراحل سعي الصين نحو الهيمنة على العالم ، ويحدد هذه المراحل بثمان.

ويقول ان هذه المراحل قد تتداخل وقد تمضي متوازية ، وان توقيت كل مرحلة جديدة سوف يعتمد في جزء منه على القرارات التي يتخذها النظام الصيني في معرض حله للخلافات الفئوية بشأن الاستراتيجية والتكتيكات، كما يعتمد على إدراك الصين للمخاطر التي تكتنف انتقالها من مرحلة الى أخرى. كما ان من الممكن ان تحول الولايات المتحدة وحلفاؤها دون نجاح عدد من هذه المراحل.

المرحلة الأولى هي التطبيع مع الدول الديمقراطية الصناعية، وقد بدأت هذه المرحلة سنة ،1978 وهي مستمرة حتى الآن.

ويذكر المؤلف هنا ان الصين في مرحلة ما بعد ماوتسي تونج قد قررت ان افضل ما يخدم أهدافها في التنمية في مجالات الصناعة والزراعة والعلوم والتكنولوجيا والجيش ، هو الحصول على الموارد الاقتصادية والتكنولوجيا المتطورة من أكثر الدول الصناعية تطورا. ويستشهد المؤلف بقول دينج كسياوبينج سنة 1978: " ان السلام والتنمية هما النزعتان السائدتان في الزمن الحاضر " .

وقد أدت عملية التطبيع والوصول الى أسواق الولايات المتحدة وغيرها ، باتجاه واحد في معظم الأحيان ، الى نمو اقتصادي صيني هائل يقوده التصدير ، وقد وفر ذلك للصين منذ تسعينات القرن الماضي اكثر من تريليون دولار من الارباح الاقتصادية من فائضها التجاري، واستثماراتها الاجنبية المباشرة، والمعونة الاقتصادية الخارجية. ويتضح حجم الارباح التي جنتها الصين من علاقاتها الجديدة مع دول العالم، من البيانات التي نشرتها الحكومة الصينية سنة ،2000 والتي تبين ان اكثر من 180 دولة ومنطقة في العالم، منذ سنة 1978 قد تعاقدت للاستثمار الخارجي المباشر في الصين بما قيمته 632 مليار دولار في 349500 مشروع. كما قالت الحكومة الصينية ان 300 من اكبر 500 شركة صناعية في العالم قد استثمرت في الصين، وان 65% من هذه الاستثمارات كانت في القطاع الصناعي.. وهذه الارباح الاقتصادية في مجملها، يقول المؤلف، تعني زيادة هائلة في الموارد الاقتصادية المتاحة للنظام الشيوعي لاستغلالها في أغراضه المحلية والدولية.

المرحلة الثانية ، هي التي يسميها المؤلف ، مرحلة الاغراء أو الإجبار الاقليميين في آسيا ، التي بدأت في ثمانينات القرن الماضي ولا تزال مستمرة حتى الآن .

يقول المؤلف ان القيادة الصينية ، ادركت في منتصف الثمانينات ان برنامج تحديثها الاقتصادي سيكون ذا أثر كبير، وكانت وقتئذ منخرطة في محادثات للتطبيع مع القيادة السوفييتية وقد أوحى استمرار جورباتشوف في الحكم في الاتحاد السوفييتي، ونزعرته الى اتباع سياسة خارجية تصالحية مع الصين، بأن التهديد السوفييتي للصين قد انتهى. وفي هذه الاثناء اقترح احد المقربين من دينج كسياو بينج، وهو الأميرال ليو هواكينج مبدأ استراتيجيا جديدا موجها نحو التهديد الذي يفترض ان الولايات المتحدة تشكله على الصين ، ويقوم هذا المبدأ على أن على الصين ان تضمن أمنها في المستقبل بإظهار قوتها خارج حدودها للسيطرة على البحار وعلى " أول سلسلة جزر " ، تضم تايوان ، اليابان ، كوريا الجنوبية ، الفلبين ، واندونسيا .

وقد برهن تبني هذا النهج الجغرافي السياسي ، والبدء في بناء القدرات العسكرية اللازمة لتنفيذه ، على ان النظام الصيني عازم على استعادة تايوان، وانه مستعد للتحرك من اجل انهاء التحالفات الامريكية في آسيا، بما في ذلك التحالفات مع كوريا الجنوبية واليابان والفلبين.

ويتابع المؤلف الحديث عن مراحل تنفيذ خطة الهيمنة الصينية، فيقول ان :

المرحلة الثالثة تتمثل في التفوق في آسيا، والسيطرة على تايوان، ويحدد هذه المرحلة تقريبا من سنة 2005 الى سنة 2008. ويقول ان احد الاهداف الرئسية للنظام الصيني، منذ سنة 1949 هو السيطرة على تايوان. والصين تقيم علاقات دبلوماسية مع نحو 140 دولة، ولكي تحصل هذه الدول على أرباح وفرص اقتصادية من الصين، يجب عليها ان تقبل اعتبار ما تدعوه الصين " تايوان الصينية " مسألة داخلية للصين. وأدى ذلك الى حرمان تايوان من الاعتراف الدبلوماسي من قبل حكومات العالم البالغ عددها 192 حكومة، باستثناء تسع وعشرين من حكومات الدول الصغيرة.

والمرحلة الرابعة من مراحل استراتيجية الهيمنة الصينية، كما يقول المؤلف هي: الهيمنة في آسيا، وانهاء التحالف بين الولايات المتحدة واليابان. ويقدر المؤلف زمن ممارسة هذه المرحلة بين 2008 و،2012 فبعد السيطرة على تايوان والمساهمة سرا في تحييد كوريا الجنوبية، ستكون الخطوة التالية في سلم أولويات السياسة الخارجية الصينية انهاء التحالف الأمني بين الولايات المتحدة واليابان. وسوف يؤدي ذلك في نهاية المطاف الى إزالة الوجود العسكري الامريكي من شرق آسيا ويدع الصين القوة المهيمنة هناك.

المرحلة الخامسة ، هي انهاء حلف الناتو من الناحية الفعلية ، وتحييد أوروبا الغربية. ويقدر المؤلف تطبيق هذه المرحلة بين سنتي 2010 و،2014 فمن وجهة نظر روسيا في عهد بوتين، والصين الشيوعية، فإن انهاء التحالفات الامريكية في آسيا، وسحب القوات الامريكية من جميع القواعد في آسيا، سوف يشكل من دون شك تقدما مهما نحو إيجاد “عالم متعدد الأقطاب”. وستكون النتيجة الفورية لذلك استمرار الحياة اليومية في دول آسيا كل على حدة، رغم ازدياد اعتمادها الاقتصادي والتكنولوجي على الصين وتعاونها معها.

المرحلة السادسة تتمثل في حصول الصين على الشرق الأقصى الروسي، وهيمنة الصين على روسيا، ويتم ذلك في نظر المؤلف بين سنتي 2014 و20 20.

والمرحلة السابعة ، هي عزل الولايات المتحدة على الصعيد الجغرافي السياسي ، وهيمنة الصين على العالم، ويجري ذلك في تقدير المؤلف بين سنتي 20 20 و2023.

وفي هذه المرحلة ، ستجد الولايات المتحدة ذاتها مجردة من الحلفاء . فكل الدول الآسيوية الآن جزء من " مجال التعاون " مع الصين ، بينما تكون الدول الاوروبية قد تكيفت مع علاقتها السياسية والاقتصادية الجديدة مع كل من روسيا والصين. وتظل الولايات المتحدة شديدة الاعتماد على واردات النفط (التي تقدر بنحو 10 15 مليون برميل يوميا)، وتملك الصين الآن تأثيرا مهيمنا على معظم كبريات الدول المصدرة للنفط، بحيث تكون قادرة على احداث خفض أو قطع للصادارات النفطية الى الولايات المتحدة من خلال الدول التي تقيم الصين معها علاقات ودية.

وفي جوهر الأمر ، تصبح الصين في هذه المرحلة مسيطرة من خلال الحكومة التي تكون في الواقع متحالفة معها أو معتمدة عليها، أو خاضعة لها، على معظم الصادرات النفطية الى اي بلد في العالم، وعلى جميع الممرات المائية الرئيسية في العالم، بما فيها قناة بنما وقناة السويس.

ويتوقع المؤلف ان تنجح الصين في هذه المرحلة في إرغام الولايات المتحدة على التخلي عن حقها في الفيتو في مجلس الأمن، حيث ترضخ الولايات المتحدة لذلك تجنبا للمشكلات الاقتصادية الهائلة.

والمرحلة الثامنة والأخيرة لهيمنة الصين على العالم ، هي في نظر المؤلف استتباب هذه الهيمنة حيث تصبح الصين القوة الغالبة، ويبدأ ذلك من سنة 2025 ويستمر الى أجل غير مسمى.

يتحدث المؤلف بعد عرض هذه الاستراتيجية الصينية ، عما يسميه استراتيجية امريكية حكيمة وفعالة، لمواجهة الاستراتيجية الصينية، وتقوم هذه الاستراتيجية الامريكية، في نظر المؤلف على ضرورة افهام الولايات المتحدة دول العالم، أنها لا تطمع في خيرات أو أراضي اي من هذه الدول، وعلى فضح النوايات الصينية الرامية الى السيطرة على العالم، وعلى تعزيز التحالفات الامريكية مع الدول المختلفة، وعلى المضي في خطة الدفاع الصاروخي الامريكي، وعلى تعزيز القدرات العسكرية والاستخبارات الامريكية

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:25 pm

العــولــمــة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدّه الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنّ لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله.

المقدمة :

لقد كثر الحديث عن العولمة في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، فتناولتها بالحديث الأوساط الجامعية والإعلامية والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة، وأصبحت حديث الاجتماعيين والفلاسفة الأوربيين وعلماء البيئة والطبيعة وكثرت أعداد الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تحمل عناوينها "العولمة " أو النظام العالمي الجديد أو المتغيرات الدولية الجديدة أو الكونية.

وأوّل من تبنى فكرة مفهوم العولمة بعد عالم السسيولوجيا الكندي "مارشال ماك" من جامعة تورنتو- "زبيغنيو بريجينسكي" مستشار الرئيس الأمريكي كارتر (1977- 1980م) الذي أكدّ على ضرورة أنّ تقدّم أمريكا- التي تمتلك 65% من المادة الإعلامية على مستوى العالم- نموذجا كونيا للحداثة، يحمل القيم الأمريكية التي يذيعونها دوما في الحرية وحقوق الإنسان. ( 1 )

ولقد صدرت كثير من المؤلفات باللغات الأوربية والعربية التي تتناول هذه الظاهرة، لدرجة أن المرء يكاد يحار في كيفية دراسة هذه الظاهرة والإلمام بموضوعها، خاصة أن كل كاتب أو متحدث يتناولها بالدراسة والتحليل من جانب معين مثل الجانب الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي أو الإعلامي.

ومعظم الأفكار والأطروحات الغربية التي تتناول دراسة ظاهرة العولمة تقوم على ما طرحه الكاتب الأمريكي الياباني الأصل "فرانسيس فوكاياما" في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، (2 ) والتي يزعم فيه أننا وصلنا إلى نقطة حاسمة في التاريخ البشري تتحدد بانتصار النظام الرأسمالي الليبرالي والديمقراطية الغربية على سائر النظم المنافسة لهما وأنّ العالم قد أدرك بعد فترة حماقة طويلة أن الرأسمالية هي أفضل أنواع النظم الاقتصادية ، وأن الليبرالية الغربية هي أسلوب الحياة الوحيد الصالح للبشرية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية وامتدادها الاقتصادي القيمي (النظام الرأسمالي المادي) أوربا يمثلان الدورة النهائية للتاريخ وأنّ الإنسان الغربي هو الإنسان الكامل الأخير. ( 3 )

ومن هنا وجدت الفلسفة الإعلامية الغربية في أفكار وأطروحات (فوكوياما) مادة تسوِّغ بها سياسات الغرب الرعناء تجاه العالم المعاصر ( 4 ) .

والعولمة ترتبط في أذهان الكثير من الناس بالتقدم والرقي والانفتاح الاقتصادي، ومع أن مفهوم العولمة لا يقتصر على الجانب الاقتصادي بل يشمل الجوانب الاجتماعية والبيئية، والثقافية،والسياسية،إلاّ أنّ الجانب الاقتصادي هو أبرز مظاهر العولمة .


المؤلف : الدكتور صالح الرقب - الجامعة الإسلامية

تعريف العولمة :-

المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريباً على أنّ الكلمة جديدة ولكنّ ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أنّ السير نحوها بدأ منذ مئات السنين.

ولقد أصبح مصطلح العولمة متداولاً منذ بداية التسعينات،وأصبح علماً على الفترة الجديدة التي بدأت بتدمير جدار برلين عام 1989م وسقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه، وانتهت بتغلّب النظام الرأسمالي الغربي على النظام الشيوعي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم المعاصر.

العولمة لغة :-

العولمة ثلاثي مزيد، يقال: عولمة على وزن قولبة،وكلمة "العولمة " نسبة إلى العَالم -بفتح العين- أي الكون، وليس إلى العِلم -بكسر العين- والعالم جمع لا مفرد له كالجيش والنفر، وهو مشتق من العلامة على ما قيل، وقيل: مشتق من العِلم، وذلك على تفصيل مذكور في كتب اللغة. فالعولمة كالرباعي في الشكل فهو يشبه (دحرجة) المصدر، لكن (دحرجة) رباعي منقول، أمّا (عولمة ) فرباعي مخترع إن صح التعبير وهذه الكلمة بهذه الصيغة الصرفية لم ترد في كلام العرب،والحاجة المعاصرة قد تفرض استعمالها، وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى ومعناها : وضع الشيء على مستوى العالم وأصبحت الكلمة دارجة على ألسنة الكتاب والمفكرين في أنحاء الوطن العربي . ( 5 ) ويرى الدكتور أحمد صدقي الدجاني أن العولمة مشتقة من الفعل عولم على صيغة فوعل واستخدام هذا الاشتقاق يفيد أن الفعل يحتاج لوجود فاعل يفعل، أي أنّ العولمة تحتاج لمن يعممها على العالم. ( 6 )

وننّبه إلى أن ّمجمع اللغة العربية بالقاهرة قرّر إجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً. ( 7 ) والعولمة ترجمة لكلمةMondialisation الفرنسية ، بمعنى جعل الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية المذكورة إنّما هي ترجمة“ Globalisation ” الإنجليزية التي ظهرت أولاً في الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. فهي إذا مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة ، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة. ( 8 ) ومن خلال المعنى اللغوي يمكننا أن نقول بأنّ العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة ، وجعله يشمل الجميع أي العالم كله ( 9) . جاء في المعجم العالم الجديد ويبستر” WEBSTER “ أنّ العولمة “ Globalisation ” هي : إكسابُ الشيء طابعَ العالمية،وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه،عالمياً. ( 10 )

العولمة إذاً من حيث اللغة كلمة غريبة على اللغة العربية ويقصد منها عند الاستعمال- اليوم- تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله.

ومن الجدير بالذكر أن تعبير " العولمة " في التداول السياسي قد طرح من قبل كتاب أمريكان في السبعينات وبالتحديد من كتاب "ماك لولهان وكينتين فيور:"حول "الحرب والسلام في القرية الكونية"، وكتاب "بريجسكي : "بين عصرين- دور أمريكا في العصر الإلكتروني" ( 11 )

اصطلاحاً: إن كلمة العولمة جديدة، وهي مصطلح حديث لم يدخل بعد في القواميس السياسية والاقتصادية . وفي الواقع يعبر مصطلح العولمة عن تطورين هامين هما :

1- التحديث ( Modernity ) .

2- الاعتماد المتبادل( Inter-dependence ) .

ويرتكز مفهوم العولمة على التقدم الهائل في التكنولوجيا والمعلوماتية ، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة على كافة الأصعدة على الساحة الدولية المعاصرة .

لقد ظهرت العولمة أولاً كمصطلح في مجال التجارة والمال والاقتصاد، ثم أخذ يجري الحديث عنها بوصفها نظاماً أو نسقاُ أو حالة ذات أبعاد متعددة، تتجاوز دائرة الاقتصـاد، فتشـمل إلى جانب ذلك المبادلات والاتصال والسياسة والفكر والتربية والاجتماع والأيديولوجيا . ( 12)

وقد أطلق على العولمة بعض الكتاب والمفكرين "النظام العالمي الجديد"- New World Order- وهذا المصطلح استخدمه الرئيس الأمريكي جورج بوش-الأب- في خطاب وجهه للأمة الأمريكية بمناسبة إرساله القوات الأمريكية إلى الخليج (بعد أسبوع واحد من نشوب الأزمة في أغسطس 1990م ) وفي معرض حديثه عن هذا القرار, تحدّث عن فكرة :عصر جديد ، وحقبة للحرية ، وزمن للسلام لكل الشعوب. وبعد ذلك بأقل من شهر أشار إلى إقامة (نظام عالمي جديد) يكون متحرراً من الإرهاب , واكثر أمنا في طلب السلام, عصر تستطيع فيه كل أمم العالم أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم . ( 13)

وربّما يوحي هذا الإطلاق- النظام العالمي الجديد- بأن اللفظة ذات مضامين سياسية بحتة، ولكن في الحقيقة تشمل مضامين سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وتربوية، ( 14) بمعنى آخر تشمل مضامين تتعلق بكل جوانب الحياة الإنسانية.

ولقد فرضت العولمة نفسها على الحياة المعاصرة، على العديد من المستويات، سياسياً واقتصادياً، فكرياً وعلمياً، ثقافياً وإعلامياً، تربوياً وتعليمياً. ( 15) يقول الرئيس الأمريكي السابق كلينتون: "ليست العولمة مجرد قضية اقتصادية بل يجب النظر إلى أهمية مسائل البيئة والتربية والصحة". ( 16 )

والنظام العالمي الجديد هو في حقيقة أمره وطبيعة أهدافه، نظامٌ صاغته قُوى الهيمنة والسيطرة لإحداث نمط سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وإعلامي واحد وفرضه على المجتمعات الإنسانية كافة، وإلزام الحكومات بالتقيّد به وتطبيقه . ( 17 )


تابع

كتاب :
العولمـــة . --------------------------------------------------------------------------------


ولقد كثرت التعاريف التي توضح معنى العولمة، نذكر هنا بعضاً منها، ثم اذكر التعريف الذي أرى أنّه يعبر عن المعنى الحقيقي لظاهرة العولمة.

ومن هذه التعريفات:-*
يقول جيمس روزانو أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولـمة: "إنّها العلاقة بين مستويات متعددة لتحليل الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة ". ( 18)

* الكاتب الأمريكي الشهير ـ وليم جريدرـ في كتابه الصادر عام 1977م بعنوان( عالم واحد..مستعدون أم لا), وصف العولمة "بأنها آلة عجيبة نتجت عن الثورة الصناعية والتجارية العالمية, وأنّها قادرة علي الحصاد وعلي التدمير, وأنّها تنطلق متجاهلة الحدود الدولية المعروفة, وبقدر ما هي منعشة، فهي مخيفة. فلا يوجد من يمسك بدفة قيادتها، ومن ثمّ لا يمكن التحكم في سرعتها ولا في اتجاهاتها ".

* " نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم" ( 19) .

* "إنها حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية" ( 20 ) .

*ويعرفها الدكتور مصطفى محمود فيقول: " العولـمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ الوطن من وطنيته وقوميته وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي، بحيث لا يبقى منه إلاّ خادم للقوى الكبرى". ( 21)

* العولمة هي: " العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الدول والشعوب، والتي تنتقل فيها المجتمعات من حالة الفرقة والتجزئة إلى حالة الاقتراب والتوحد، ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التباين والتمايز إلى حالة التجانس والتماثل، وهنا يتشكل وعي عالمي وقيم موحدة تقوم على مواثيق إنسانية عامة" ( 22 ) .

والمواثيق الإنسانية الواردة في هذا التعريف هي المواثيق التي يصنعها الغرب الكافر وأساسها نظرة علمانية مادية للوجود لتحقيق مصالحه الخاصة، ثم تصدر للعالم على أنها مواثيق إنسانية لصالح البشرية، ولا بأس أن تصدر بها القرارات الدولية من هيئة الأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة حامية للحقوق الإنسانية.

* "هي تعاظم شيوع نمط الحياة الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً، بعد التداعيات العالمية التي نجمت عن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشرقي" أو هي "محاولة لفرض الفلسفة البراجماتية النفعية المادية العلمانية، وما يتصل بها من قيم وقوانين ومبادئ وتصورات على سكان العالم أجمع".( 23)

هي" العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات على بلدان العالم أجمع" وهي أيضاً أيديولوجياً تعبر بصورة مباشرة عن إرادة الهيمنة على العالم وأمركته". ( 24 ) أي محاولة الولايات المتحدة إعادة تشكيل العالم وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية، ويتركز أساسا على عمليتي تحليل وتركيب للكيانات السياسية العالمية، وإعادة صياغتها سياسيا واقتصاديا وثقافيا وبشريا، وبالطريقة التي تستجيب للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

* العولمة : منظومةً من المبادئ السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، يُراد بها إكراه العالم كلِّه على الاندماج فيها، وتبنّيها، والعمل بها، والعيش في إطارها. ( 25 )

وبعد دراسة متأنية لظاهرة العولمة وأهدافها ووسائلها وتأثيراتها في واقع المجتمعات والشعوب يمكن أن تعرف العولمة بما يلي:-

" العولمة هي الحالة التي تتم فيها عملية تغيير الأنماط والنظم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ومجموعة القيم والعادات السائدة وإزالة الفوارق الدينية والقومية والوطنية في إطار تدويل النظام الرأسمالي الحديث وفق الرؤية الأمريكية المهيمنة، والتي تزعم أنها سيدة الكون وحامية النظام العالمي الجديد ".

والشيء الذي لابد من الوقوف عنده كثيراً هو أنّ العولمة كظاهرة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية ترتبط أساسا بالمفهوم الاقتصادي الرأسمالي- وفق الرؤية الأمريكية- في مراحله المتطورة،إن لم يكن في أعلى حالات تطوره، أو لنقل سيطرته على الاقتصاد العالمي وبالتالي السيطرة على كافة أشكال ومظاهر التطور الإنساني.
نشأتها : -

اختلف الباحثون في التأريخ لنشأة العولمة على قولين:-

الأول : يرى هؤلاء الباحثون أن ظاهرة العولمة قديمة، عمرها خمسة قرون، أي ترجع إلى القرن الخامس عشر- زمن النهضة الأوربية الحديثة-. حيث التقدم العلمي في مجال الاتصال والتجارة، ويدل على ذلك : أن العناصر الأساسية في فكرة العولمة وهي: ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال، أو في انتشار المعلومات والأفكار،أو في تأثر أمة بقيم وعادات غيرها من الأمم يعرفها العالم من ذلك التاريخ .

ولكن يقال : ثمّة أمور مهمة جديدة طرأت على ظاهرة العولمة في السنوات الثلاثين الأخيرة منها :

- اكتساح تيار العولمة مناطق مهمة في العالم كانت معزولة، ومن هذه المناطق الدول الأوربية الشرقية والصين.

- الزيادة الكبيرة في تنوع السلع والخدمات التي يجري تبادلها بين الأمم والشعوب، وتنوع مجالات الاستثمار التي تتجه إليها رؤوس الأموال.

- سيطرة تبادل المعلومات والأفكار على العلاقات الدولية.

- ارتفاع نسبة السكان -في دخل كل دولة- التي تتفاعل مع العالم الخارجي.

- النشاط المتزايد والفعال للشركات المتعددة الجنسيات في مجال تبادل السلع وانتقال رأس المال والمعلومات والأفكار، واتخاذها العالم كله مسرحاً لعملياتها في الإنتاج والتسويق،وما تبع ذلك من هدم الحواجز الجمركية وإلغاء نظام التخطيط وإعادة توزيع الدخل، والنظر في دعم السـلع والخدمات الضرورية للسكان، وتخفيض الإنفاق على الجيوش والجانب العسكري. ( 26 )

الثاني : يرى فريق آخر أنً العولمة ظاهرة جديدة، فما هي إلا امتداد للنظام الرأسمالي الغربي بل هي المرحلة الأخيرة من تطور النظام الرأسمالي العلماني المادي النفعي، وقد برزت في المنتصف الثاني من القرن العشرين نتيجة أحداث سياسية واقتصادية معينة منها: انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية عام 1961م ثم سقوط الاتحاد السوفيتي سياسياً واقتصادياً عام 1991م، وما أعقبه من انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالتربع على عرش الصدارة في العالم المعاصر وانفرادها بقيادته السياسية والاقتصادية والعسكرية ومنها : بروز القوة الاقتصادية الفاعلة من قبل المجموعات المالية والصناعية الحرة عبرة شركات ومؤسسات اقتصادية متعددة الجنسيات مدعومة بصورة قوية وملحوظة من دولها. ( 27 )

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:29 pm

يرى توماس فيردمان الصحافي اليهودي الأمريكي الذي يكتب في ( نيويورك تايمز ) : "إن العولمة الحالية هي مجرد جولة جديدة بعد الجولة الأولى التي بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحكم التوسع الهائل في الرحلات البحرية باستخدام طاقة البخار والتي أدت إلى اتساع حجم التجارة الدولية بشكل لم يسبق له مثيل" ( 28 ) . ويرجع صاحبا كتاب فخ العولـمة البداية الحقيقية للعولمة إلى عام 1995م، حيث وجّه الرئيس السوفيتي السابق غوربا تشوف الدعوة إلى خمسمائة من قادة العالم في مجال السياسة والمال والاقتصاد في فندق فيرمونت المشهور في سان فرانسيسكو لكي يبنوا معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. وقد اشترك في هذا المؤتمر المغلق أقطاب العولـمة في عالم الحاسوب والمال وكذلك كهنة الاقتصاد الكبار، وأساتذة الاقتصاد في جامعات ستانفورد، وهارفرد وأكسفورد. واشترك فيها من السياسيين، الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، ووزير خارجيته شولتز، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، ورئيس وزراء مقاطعة سكسونيا وغيرهم. ( 29 )

"إنّ معظم الكتاب يجمعون على أن هناك أربعة عناصر أساسية يعتقدون أنها أدت إلى بروز تيار العولمة، وهي:-

1) تحرير التجارة الدولية:ويقصدون به تكامل الاقتصاديات المتقدمة والنامية في سوق عالمية واحدة، مفتوحة لكافة القوى الاقتصادية في العالم وخاضعة لمبدأ التنافس الحر .

2) تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة: حدثت تطورات هامة خلال السنوات الأخيرة تمثلت في ظهور أدوات ومنتجات مالية مستحدثة ومتعددة ، إضافة إلى أنظمة الحاسب الآلي ووسائل الاتصال والتي كفلت سرعة انتشار هذه المنتجات،وتحوّلت أنشطة البنوك التقليدية إلى بنوك شاملة، تعتمد إلى حد كبير على إيراداتها من العمولات المكتسبة من الصفقات الاستثمارية من خارج موازنتها العمومية ويرجع ذلك إلى سببين رئيسيين هما:-

* تحرير أسواق النقد العالمية من القيود .

* الثورة العالمية في الاتصالات الناجمة عن الوسائل والأدوات التكنولوجية الجديدة.

3) الثورة المعرفية:وتتمثًل في التقدم العلمي والتكنولوجي،وهو ميزة بارزة للعصر الراهن،وهذا التقدم العلمي جعل العالم أكثر اندماجاً، كما سهّل حركة الأموال والسلع والخدمات، وإلى حد ما حركة الأفراد، ومن ثمّ برزت ظاهرة العولمة، والجدير بالذكر أنّ صناعة تقنية المعلومات تترّكز في عدد محدود ، ومن الدول المتقدمة أو الصناعية دون غيرها.

4) تعاظم دور الشركات متعددة الجنسيات: هذا العصر بأنّه عصر العولمة فمن الأصح وصفه بأنه عصر الشركات متعددة الجنسيات باعتبارها العامل الأهم لهذه العولمة.ويرجع تأثير هذه الشركات كقوة كبرى مؤثرة وراء التحولات في النشاط الاقتصادي العالمي إلى الأسباب التالية :-

أ- تحكّم هذه الشركات في نشاط اقتصادي في أكثر من قطر وإشاعتها ثقافة استهلاكية موحدة.

ب- قدرتها على استغلال الفوارق بين الدول في هبات الموارد.

ج- مرونتها الجغرافية". ( 30 )

أقول :وإن كانت هـذه العولمة تسـتهدف هيمنة دولة واحدة-وهي الولايات المتحدة الأمريكية-على دول العالم أجمع فإن هذه الصورة من العولمة لم تكن لتظهر فجأة دون بدايات أو مقدمات مهدت لها بصورة فاعلة ومخطط لها من القوى الرأسمالية ذات النزعة الاستعمارية. ومن ذلك إنشاء منظمة الأمم المتحدة،وما تبعها من مؤسسات مالية دولية: البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي،ثمّ اتفاقية "الجات" (الاتفاقية العامة على الرسوم الجمركية والتجارة) التي تعود في تاريخها إلى سنة 1947م حيث اجتمعت ثلاث وعشرون دولة صناعية في جنيف للنظر في تحرير التجارة وفتح الأبواب بين هذه الدول ، وبدأت سريان هذه الاتفاقية منذ أول يناير 1948م، وبلغ عدد الدول الموقعة عليها سنة 1993م مائة وسبع عشرة دولة.

ثمّ معاهدة "ماستريخت" التي ضمت خمسة عشر بلداً صناعياً وظهور المناطق التجارية الحرة، والاتحادات الجمركية، ثم الأحداث السياسية التي تتمثل بانتهاء الحرب الباردة، ثم قيام الرئيس السوفيتي الأسبق-ميخائيل غورباتشوف-وبدعم أمريكي ملحوظ-عام 1985م بالإعلان عن إصلاح النظام الاقتصادي الشيوعي الذي سمي وقتها "البيروستويكا" وقد كان هذا الإعلان بمثابة الإعلان عن سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي سياسياً واقتصادياً،وما تلاه من سقوط حائط برلين عام 1989م،واتحاد الألمانيتين،ثم حرب الخليج الثانية عام 1991وما أسفرت عنه من تثبيت القواعد الأمريكية العسكرية في منطقة الخليج العربي. كل هذه الأحداث ساهمت إلى حد بعيد في تربع الولايات المتحدة الأمريكية على عرش النفوذ العالمي، وبالتالي برز مصطلح "النظام العالمي الجديد" و"الأحادية القطبية والعولمة".

وظهر أوّل نظام تجاري دولي ملزم للأقطار المنضوية تحت لوائه في شهر نيسان سنة 1995م، حيث أعلن عن إنشاء المنظمة العالمية للتجارة (w.t.o) بمدينة مراكش المغربية، وهي امتداد لاتفاقية الجات. وهذه المنظمة تمثل أحد أركان النظام الاقتصادي العالمي الجديد،وتختص بأعمال إدارة ومراقبة وتصحيح أداء العلاقات التجارية،وستكون عامل مساعد للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتنفيذ وإقرار النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وأخيراً تم دعم صرح العولمة بالتوقيع- في شباط عام 1997م بمدينة جنيف بسويسرا-على أول اتفاق دولي يتعلق بتحرير المبادلات الخدماتية المتطورة،وخاصة فيما عرف "بالتكنولوجيا المعلوماتية" أو ثورة الاتصالات. ( 31 )

وممّا ساعد على سرعة انتشار ظاهرة العولمة انضمام كثير من دول شرق أوربا إلى الحلف الأطلسي، وانفتاح دول أخرى على الحلف نفسه،وانضمام كثير من الدول العربية إلى المنظمة العالمية للتجارة، ( 32 ) -وبقية الدول تتفاوض للانضمام- ثم المؤتمرات الاقتصادية المتلاحقة التي تنظر لهذه العولمة كأمر حتمي لا مفر منه، وإظهار مزاياها الاقتصادية والتنموية ومن أشهرها "منتدى دافوس الاقتصادي" ثم المشروعات الاقتصادية الإسرائيلية التي تستهدف عولمة الشرق الأوسط لصالح المشروع الصهيوني الذي يتمثل في دولة إسرائيل الكبرى، التي تسعى لتحقيقه اقتصادياً وثقافياً عبر بوابات اتفاقيات السلام التي تعقدها منفردة مع الدول العربية، والاتفاقيات الاقتصادية الثنائية مع دول المنطقة وعبر بوابات التطبيع، التي تهيأ لها بكل قوة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة العربية، وقد أضفى ذلك كله بعداً استراتيجياً جديداً على دعم الدور الأمريكي -ومن ورائه القوى الصهيونية المتحكمة في السياسة والقيادة الأمريكية- لقيادة النظام العالمي الجديد.

"ومؤخراً، ساهمت ثلاثة عوامل في الاهتمام بمفهوم العولمة في الفكر والنظرية،وفي الخطاب السياسي الدولي:-

1- عولمة رأس المال أي تزايد الترابط والاتصال بين الأسواق المختلفة حتى وصلت إلى حالة أقرب إلى السوق العالمي الكبير ، خاصة مع نمو البورصات العالمية.

2- التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال والانتقال والذي قلّل- إلى حد كبير- من أثر المسافة، وانتشار أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من النّاس كما في شبكة الإنترنت.

3- عولمة الثقافة وتزايد الصلات غير الحكومية والتنسيق بين المصالح المختلفة للأفراد والجماعات، فيما يسمى الشبكات الدولية Networking حيث برز التعاون استنادًا للمصالح المشتركة بين الجماعات عبر القومية مما أفرز تحالفات بين القوى الاجتماعية على المستوى الدولي، خاصة في المجالات النافعة مثل : الحفاظ على البيئة، أو في المجالات غير القانونية كتنظيف الأموال والمافيا الدولية للسلاح". ( 33 )

* ممّا سبق يتضح أنّ العولمة تتكون من العناصر الرئيسية التالية :-

1- تعميم الرأسمالية: إن تغلّب الرأسمالية على الشيوعية جعلها تعمم مبادئها على كل المجتمعات الأخرى، فأصبحت قيم السوق، والتجارة الحرة، والانفتاح الاقتصادي، والتبادل التجاري، وانتقال السلع ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج والأشخاص، والمعلومات، هي القيم الرائجة، وتقود ذلك أمريكا وتفرضها عن طريق المؤسسات العالمية التابعة للأمم المتحدة، وخاصة مؤسسة البنك الدولي ، ومؤسسة النقد الدولي، وعن طريق الاتفاقات العالمية التي تقرها تلك المؤسسات كاتفاقية الجات والمنظمة العالمية للتجارة وغيرها .

2- القطب الواحد: تفردت أمريكا بقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتفكيك منظومته الدولية المسمى (حلف وارسو) ، إنه لم تبلغ دولة عظمى في التاريخ قوّة أمريكا العسكرية والاقتصادية، مما يجعل هذا التفرد خطيراً على الآخرين في كل المجالات الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية.

3- ثورة التقنيات والمعلومات: مرّت البشرية بعدّة ثورات علمية منها ثورة البخار والكهرباء والذرّة، وكان آخرها الثورة العلمية والتكنولوجية وخاصة في مجال التطورات السريعة والمدهشة في عالم الحاسوب الآلي (الكمبيوتر)، وتوصل الحاسوب الآلي الحالي إلى إجراء أكثر من مليارين عملية مختلفة في الثانية الواحدة، وهو الأمر الذي كان يستغرق ألف عام لإجرائه في السابق، أما المجال الآخر من هذه الثورة فهو التطورات المثيرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي تتيح للأفراد والدول والمجتمعات للارتباط بعدد لا يحصى من الوسائل التي تتراوح بين الكبلات الضوئية،والفاكسات ومحطات الإذاعة، والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية، التي تبث برامجها المختلفة عبر حوالي 2000 مركبة فضائية،بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر،والبريد الإلكتروني،وشبكة المعلومات الدولية،التي تربط العالم بتكاليف أقل،وبوضوح أكثر على مدار الساعة، لقد تحولت تكنولوجيا المعلومات إلى أهم مصدر من مصادر الثروة،أو قوة من القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية الكاسحة في عالم اليوم. )
تابع كتاب
: العولمـــة .

--------------------------------------------------------------------------------


بين العولمة وعالمية الإسلام

إنّ الإسلام دين يتميز بالعالمية. والعالمية تعني:عالمية الهدف والغاية والوسيلة، ويرتكز الخطاب القرآني على توجيه رسالة عالمية للناس جميعًا، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء 107 وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)سـبأ:28، ووصف الخالق عز وجل نفسه بأنه "رب العالمين" وذكر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم مقترنًا بالناس والبشر جميعاً قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة:21، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) البقرة:143، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) النساء:170، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) الأعراف:158.

إنً الحضارة الإسلامية قامت على القاسم المشترك بين حضارات العالم، فقبلت الآخر، وتفاعلت معه أخذأً وعطاءً، بل إنّ حضارة الإسلام تعاملت مع الاختلاف بين البشر باعتباره من سنن الكون، لذلك دعا الخطاب القرآني إلى اعتبار الاختلاف في الجنس والدين واللغة من عوامل التعارف بين البشر. اتساقًا مع نفس المبادئ ، إنّ الإسلام يوحّد بين البشر جميعاً رجالاً ونساءً، في قضايا محددة: أصل الخلق والنشأة، والكرامة الإنسانية والحقوق الإنسانية العامة ، ووحدانية الإله،وحرية الاختيار وعدم الإكراه ، ووحدة القيم والمثل الإنسانية العليا .

ومن هنا تظهر الاختلافات جلية بين مفهوم عالمية الإسلام ومفهوم "العولمة" فبينما تقوم الأولى على رد العالمية لعالمية الجنس البشري والقيم المطلقة، وتحترم خصوصيته ، وتفرد الشعوب والثقافات المحلية، ترتكز الثانية:على عملية نفي أو استبعاد لثقافات الأمم والشعوب ومحاولة فرض ثقافة واحدة لدول تمتلك القوة المادية وتهدف عبر العولمة لتحقيق مكاسب السوق لا منافع البشر. ( 35 )


يؤكّد الدكتور محسن عبد الحميد- أستاذ التربية بجامعة بغداد- وجود فرق كبير بين المصطلحين (العالمية والعولمة) فيقول : إنّ أبناء هذا العالم بمختلف قبائله وشعوبه ولغاته وملله ونحله يعيشون على هذه الأرض، ولذا فلا بد أن يتفاهموا فيما بينهم، تمهيداً للتعاون الدائم على خير الجميع، ولا مانع من أن يأخذ بعضهم من بعض. ولا يجوز أن يفرض وبالإكراه بعضهم على بعض لغته أو دينه أو مبادئه أو موازينه. فالاختلاف في هذا الإطار طبيعي جداً والتعاون ضروري أبداً، لمنع الصدام والحروب والعدوان . ويضيف : إنّ تاريخ البشرية عامة وتاريخ الإسلام خاصة ، لم يرد فيه دليل على أنّ المسلمين خطوا للبشرية طريقًا واحدًا ، ووجهة واحدة وحكمًا واحدًا ونظامًا واحدًا، وعالماً واحدًا بقيادة واحدة، ليس بالإجبار والإكراه.بل اعترفوا بواقع الأديان واللغات والقوميات عاملوها معاملة كريمة، بلا خداع ولا سفه ولا طعن من الخلف، ولذلك عاش في المجتمع الإسلامي من أهل الملل الأخرى من اليهود والنصارى والصابئة والمجوس، وغيرهم بأمان واطمئنان ، وأما الأمم التي كانت تعيش خارج العالم الإسلامي، فقد عقدت الدولة الإسلامية معها مواثيق ومعاهدات في قضايا الحياة المتنوعة. والتوجيه الأساس في بناء العلاقات الدولية في الإسلام قوله تعالى : ( يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم)ْ الحجرات:.11. وأما العولمة التي هي الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية( GLOBALIZATION ) فهي مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة. ( 36 )

وثمة فرق بين عالمية الإسلام والعولمة، فالإسلام يقوم على العدل وإنصاف المظلوم، ويرفض الاعتداء، ويعترف بحق الأخر في الدين والرأي المخالف، أما العولمة فتقوم على الظلم، وتفتقد للعدل ، وتهدف لصالح الاستكبار الغربي، وضد مصالح الشعوب الفقيرة الأخرى ، وفقا لسياسة التبعية التي تفسر العلاقة بين الغرب المتقدم، وبين العالم الثالث المتأخر.
يقول أحد الكتاب الفرنسيين عن النظام الرأسمالي الأمريكي: كلما ازداد هذا النظام الرأسمالي الجشع إمعانًا وانتشارًا بالعولمة، ازدادت الانتفاضات والحروب العرقية والقبلية والعنصرية والدينية للتفتيش عن الهوية القومية في المستقبل. وكلما تَفَشت المعلوماتية والأجهزة التلفزيونية والسلكية واللاسلكية، تكبّلت الأيدي بقيود العبودية، وازدادت مظاهر الوحدة والانعزال والخوف والهلع دون عائلة ولا قبيلة ولا وطن. وكلما ازداد معدل الحياة سوف تزداد وسائل القتل، وكلما ازدادت وسائل الرفاهية سوف تزداد أكثر فأكثر جرائم البربرية والعبودية . ( 37 )

ثمّ إنّ الإسلام يدعو إلى طلب العلم النافع الذي يفيد الإنسان، ويحقق والخير،ويحق الحق، وكلّ ما جاءت به المدنية الحديثة من علوم ومخترعات وابتكارات، مما فيها نفع للناس، ويحارب كل علم ضار فيه فساد الإنسان أو هلاكه ، أو إشاعة الشر في حياته، بينما العولمة بخلاف ذلك، فرغم ما أنتجته من المخترعات والابتكارات إلا أنها ابتدعت علوماً ضارةً أو ابتكرت ابتكارات مخربة للأخلاق والقيم، ومفسدة بل ومهلكة للإنسان .

وأيضاً فغزو المسلمين للعالم كان بدافع حضاري فريد، لقد كانوا يعُدُّون أنفسهم أصحاب رسالة عالمية موجهة للناس كافة، كلّفوا هم بتبليغها إليهم بالوسائل السِّلميّة، والذين كانوا من المسلمين يهاجرون إلى البلاد الأخرى إنما هاجروا طلباً للرزق، وكانت مهمة الشهادة على الناس وتبليغهم الإسلام ماثلةً أمامهم ، فأثَّروا في البلاد التي هاجروا إليها تأثيراً كبيراً، ونقلوا إليها دينهم وأخلاقهم وقيمهم ولغتهم، ولم يتأثروا بهم إلا في أمور لا تتعارض مع دينهم، بل قد يكون بعضها من مقتضيات الدعوة إليه ، أما غزو الغرب للعالم فقد كان في أساسه لأسباب استعمارية ولمصالح اقتصادية، وقائم على التعصب العنصري ، كان الغربيون أيضاً يرون أنّ لهم رسالة أخرى وهي أن يجعلوا العالم نصرانياً ، يكفر بالدين الحق الذي اختاره الله تعالى للبشرية .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:31 pm

أهداف العولمة وآثارها -

لقد روَّج دعاة العولمة في الغرب وعملاؤهم في المنطقة العربية مجموعة من المقولات لصالح العولمة،ومن ذلك: أنّ العولمة تبشر بالازدهار الاقتصادي والتنمية والرفاهية لكل الأمم والعيش الرغيد للناس كلهم، والانتعاش ، ونشر التقنية الحديثة، وتسهيل الحصول على المعلومات والأفكار عبر الاستفادة من الثورة المعلوماتية الحديثة، وإيجاد فرص للانطلاق للأسواق الخارجية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية التي تتمتع بكفاءة عالية ، وبالتالي ينتعش الاقتصاد الوطني والقومي .

ولكن سرعان ما اكتشف الباحثون والمفكرون أن تلك المقولات ما هي إلا شعارات استهلاكية جوفاء.يقول أ.د محمد حسن رسمي( عميد كلية الحاسبات والمعلومات-جامعة القاهرة ) : "إنّ العولمة طوفان كاسح لن يقف في طريقها رافض أن يتفهم فكرها وفلسفتها وآلياتها، إذا كان يملك سداً منيعاً يهزم ويلاتها ويسخر لنفسه, ونظام العولمة في حد ذاته يدعم الأقوياء، ويطحن الضعفاء،ويضحك الأصحاب،ويبكي الضعفاء،بل يمكن صنّاعها من التحكم والسيطرة، وامتلاك مقدرات ومستقبل المتفرجين المذهولين الصامتين المنتظرين لمعجزات السماء". ( 38 )

ولقد أدركت الدول الفقيرة والنامية أن طغيان العولمة واحتكارات الشركات الدولية إنما يزيدها فقراً ، وخضوعاً للسياسات الرأسمالية الغربية فأخذت تستنفر جهودها للدفاع عن حقوقها في مواجهة هذه العولمة ، فلقد حذّر مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا من العولمة في المجال الاقتصادي ، وقال : "إن منظمة التجارة العالمية تسمح للدول الغنية بابتلاع الدول الفقيرة ". ( 39 )

ومن الأقوال التي تؤكد المخاطر الجدية للعولمة على مقدرات الحكومات والشعوب، ما جاء في كلمة للرئيس الفرنسي جاك شيراك ألقاها بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي ( 14 يوليو 2000م ) ، حيث قال : "إنّ العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنّها تنتج شروخاً اجتماعيةً كبيرةً وإن كانت عاملَ تقدُّمٍ فهي تثير أيضاً مخاطر جدّية ينبغي التفكير فيها جيداً ومن هذه المخاطر ثلاثة: أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الاِجتماعي وثانيها:أنها تنمي الجريمة العالمية،وثالثها:أنها تهدد أنظمتنا الاقتصادية". ( 40 ) وأيضاً ما ذكره الكاتب الأمريكي الشهير وليم جريدر في كتابه الصادر عام 1977م : "عالم واحد مستعدون أم لا" OneWorldReadyOrNo - حيث ببّن صفات العولمة ، وكشف خطورة آثارها ، فوصف العولمة , بأنها آلة عجيبة نتجت عن الثورة الصناعية والتجارية العالمية , وإنّها قادرة علي الحصاد وعلي التدمير , وإنها تنطلق متجاهلة الحدود الدولية المعروفة , وبقدر ما هي منعشة فهي مخيفة، فلا يوجد من يمسك بدفة قيادتها، ومن ثم لا يمكن التحكم في سرعتها ولا في اتجاهاتها، وهو يري إنّ تلك الثورة المادية التي حررت رأس المال وجعلت المادة تسبق الفكر ، وتتخطي جمود السياسات , كانت نتيجتها ظهور تحولات عظمي في العالم أجمع , وبقدر ما بعثت وأنعشت الطموح والرغبة في تكديس الثروات,خلفت وراءها عدم الاستقرار وعدم الأمان وبقدر ما أتاحت من تكنولوجيات حديثة, فإنها بعثت البربرية من جديد .

وعندما نعود إلى مفهوم العولمة كما يطرحه الغرب فإنّ أول ما يستوقفنا هو : أنّ الذين يطرحونه ينظرون إلى التفاعل البشري على أنّه تفاعل بين طرف ذكي قوي وطرف غبي ضعيف.طرف يمتلك، وطرف يجب أن يكون فاقداً للتملك.وإذا نظرنا إلى آلية هذه العولمة يبرز لنا على الفور مفهوم إلغاء الآخر. وليس بالضرورة أن يكون هذا الإلغاء هو الإفناء التام للوجود. إنما تدل الآلية الغربية على أن العولمة هي الفرز الحقيقي بين سيد وعبد، بين منتج ومستهلك، بين من يصنع التكنولوجيا ويؤسس لتقدم علمي سريع وبين من يُراد له أن ينسلخ عن ماضيه الحضاري تماماً،وعن عقيدته وينبهر بمعالم التقدم العلمي الغربي السريع . ( 41 )

والأهداف الحقيقية للعولمة يمكن تلخيصها فيما يلي:-

أولاً: الأهداف والآثار الاقتصادية:

ترتبط عملية العولمة بتدويل النظام الاقتصادي الرأسمالي، حيث تمّ توحيد الكثير من أسواق الإنتاج والاستهلاك، وتمّ التدخل الأمريكي في الأوضاع الاقتصادية للدول، وخاصة دول العالم الثالث، عبر المؤسسات المالية الدولية: كصندوق النقد الدولي،والبنك الدولي،التي تمارس الإملاءات الاقتصادية المغايرة لمصالح الشعوب، وبالتالي تحقق العولمة لأصحابها عدة أهدف كبيرة في المجال الاقتصادي هي :-

أولاً: السيطرة على رؤوس المال العربية، واستثماراتها في الغرب فالعالم العربي الذي تتفاقم ديونه بمقدار (50) ألف دولار في الدقيقة الواحدة هو نفسه الذي تبلغ حجم استثماراته في أوروبا وحدها (465) مليار دولار عام 1995م ، بعد أن كانت (670) ملياراً عام 1986م فنتيجة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتبعية النفسية للغرب تصب هذه الأموال هناك لتدار حسب المنظومة الغربية . ( 42 )

ثانياً: الهيمنة الأمريكية على اقتصاديات العالم من خلال القضاء على سلطة وقوة الدولة الوطنية في المجال الاقتصادي، بحيث تصبح الدولة تحت رحمة صندوق النقد الدولي، حين تستجدي منه المعونة والمساعدة عبر بوابة القروض ذات الشروط المجحفة،وخاضعة لسيطرة الاحتكارات والشركات الأمريكية الكبرى على اقتصاد الدول ( 43 )، ولعل تركيا والمكسيك وماليزيا من النماذج الواضحة للدول التي عصف بها تيار العولمة لصالح المستثمرين الأمريكيين ( 44 ) . يقول رئيس وزراء ماليزيا: مهاتير محمد الذي عانت بلاده من آثار العولمة في السنوات الأخيرة : "إنّ العالم المعولم لن يكون أكثر عدلاً ومساواة. وإنما سيخضع للدول القوية المهيمنة . وكما أدى انهيار الحرب الباردة إلى موت وتدمير كثير من الناس ، فإنّ العولمة يمكن أن تفعل الشيء نفسه، ربّما أكثر من ذلك في عالم معولم سيصبح بإمكان الدول الغنية المهيمنة فرض إرادتها على الباقين الذين لن تكون حالهم أفضل مما كانت عليه عندما كانوا مستعمرين من قبل أولئك الأغنياء ". ( 45)

ويقول الدكتور عماد الدّين خليل :" إنّ العولمة تجعل العالم كله قرية صغيرة تتحكم فيها الزعامة الأمريكية وبطانتها اليهودية بمصائر الأمم والدول والشعوب ، وتضع مقدراتها المالية والاقتصادية -في نهاية الأمر- تحت قبضتها، تفعل بها ما تشاء من أجل تحقيق أهداف نفعية (براغماتية) صرفة لصالح مراكز الهيمنة الغربية على حساب الأمم والدول والشعوب". ( 46 )

إنّ الدول العربية ـ كإحدى المناطق المستهدفة بالعولمةـ بلغت ديونها الخارجية عام 1995م: (250) مليار دولار ، وتتفاقم ديونها بما مقداره (50) ألف دولار في الدقيقة الواحدة ، ولا شك أنّه كلما ارتفعت وتيرة الديون كلما ترسّخت التبعية ووُجدت الذريعة للتدخل، وبسبب هذه الديون ـالتي بدأت بتشجيع من الغرب عن طريق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يعملان على إغراق الدول المستهدفة بالديون ـ أصبح اقتصاد معظم هذه الدول متخبطاً، يستطيع وبصعوبة بالغة ملاحقة خدمة الديون وفوائدها المتراكمة، فهي في الحقيقة وسيلة لبسط النفوذ على البلاد تماماً كما كانت في الماضي. ( 47 ) وللعلم فقد أكد التقرير الاقتصادي الصادر عن مجلس الوحدة الاقتصادي العربي أن الجزائر مثلاً ستخسر سنوياً ما بين 1.5 إلى2 مليار دولار بانضمامها وتطبيقها لقرارات اتفاقية التعريفة الجمركية "الجات". ( 48 )

ثالثاً: تحقيق مصالح المجموعات الغنيّة في الدول الغربية والقوى المتحالفة معها في الدول الأخـرى علـى حسـاب شـعوب العالـم، وممّا يدل على ذلك فشل تجربة "النمور الآسيوية":ومنها إندونيسيا وماليـزيا،حيث لم تسـتطع تحقيـق المصالح الاقتصـادية المطلـوبـة لشـعوبها، إذ عملت الشركات المتعددة الجنسيات على إحداث هذا الفشل، وقام أحد المستثمرين الأجانب-أحد رموز العولمة- الملياردير "جورج سورش" باللعب في البورصة مما أدى إلى ضرب التجـارة التنمويـة وإحباطهـا . ( 49 ) ولقد أدلى جورج سوروش نفسه بشهادة لاذعة أمام الكونغرس الأميركي فقال فيها:بدلا من أن تتصرف أسواق المال مثل البندول فإنها تصرفت مثل كرة التهديم المعدنية،وراحت تقوض دولة تلو الأخرى، وعليه فإنّ استخلاصنا الأخير بأن أسواق المال سوف تواصل تقريب العالم بعضه إلى بعض هو استخلاص مثير للجدل والخلاف . ( 50 )

إنّ هذه الشركات تعد الأرض كلها سوقًا كبيراً لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق ، وهي نادراً ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة ، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة ، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة ، فإنّها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية،وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي،زيادة على ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد . ( 51 ) يقول الدكتور مجدي قرقر: "إنّ الشركات المتعددة الجنسيات أدى تطورها وتضخمها إلى تعميق العولمة اقتصادياً، وتعدد أنشطتها في كل المجالات: الاستثمار والإنتاج والنقل والتوزيع والمضاربة، ووصل الأمر إلى أنّها قد صارت تؤثر في القرار السياسي والبعد الثقافي والمعرفي، وفي ظل العولمة استطاعت هذه الشركات الاستفادة من فروق الأسعار، من نسبة الضرائب، من مستوى الأجور لتركيز الإنتاج في المكان الأرخص وبعد ذلك ينقل الإنتاج إلى المكان الذي يكون فيه مستوى الأسعار أعلى ويتم تسويقه هناك". ( 52 )

في يوم 19/6/2000م عقد في القاهرة مؤتمر ضمّ الدول الخمسة عشر-أفريقية وآسيوية-من الدول النامية- أكدّ المتحدثون فيه أنّ الاقتصاد العالمي الجديد هو لصالح فئة قليلة تزيدها غنى فوق غناها، على حساب الدول الكثيرة الفقيرة، وهو يدفع الدول النامية إلى مقبرة الفقر .

وترتّب على هذا الهدف ما يلي: لقد كانت نتيجة العولـمة خطيرة في حياتنا الاقتصادية، فضلاً عن الجوانب الأخرى، وقد حصرها بعض الاقتصاديين العرب بالنقاط الآتية:-

1-إنهاء دور القطاع العام وإبعاد الدولة عن إدارة الاقتصاد الوطني.

2- عولـمة الوحدات الاقتصادية وإلحاقها بالسوق الدولية لإدارتها مركزياً من الخارج.

3- العمل على اختراق السوق العربية من قبل السوق الأجنبي.

4- إدارة الاقتصاديات الوطنية وفق اعتبارات السوق العالمية بعيداً عن متطلبات التنمية الوطنية.

5-العمل على إعادة هيكلة المنطقة العربية في ضوء التكتلات الدولية. ( 53 )
ويمكن أن يضاف إلى ذلك:-

6- " الإغواء الاقتصادي: ويعني إغواء الدول المتواضعة تقنيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا بمشاركة العمالقة في مشاريع عابرة القارات، وهذه المشاريع كل مكوناتها من الخارج ، وربما فتحوا لهم بعض الأسواق ، وبعد أن يكون البلد الفقير قد دفع دم الشعب، وضحى بحاضره ومستقبله في مثل هذه المشاريع تتم عملية السيطرة أو الإجهاض ، إنّ شيئًا من هذا قد تم في ماليزيا وإندونيسيا.

7- السيطرة الاقتصادية ذات المظاهر المتعددة، منها: شراء موارد الدول المستضعفة وموادها الخام بأقل الأسعار، وإعادة تصنيعها ثمّ بيعها لها في صورة جديدة بأغلى الأسعار، وفي حالة البترول يضيفون إليه ضريبة يسمونها ضريبة الكربون، وهي تعني ضريبة تلوث أجوائهم نتيجة الشطط التصنيعي". ( 54 )
ومن أخطار هذه العولمة أيضاً:

أ- تركيز الثروة المالية في يد قلة من الناس أو قلة من الدول، فـ 358 ملياردير في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه أكثر من نصف سكان العالم. و 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي، وعلى 84% من التجارة العالمية، ويمتلك سكانها 85% من المدخرات العالمية.إذاً نكتشف إنّ 5،19% من الاستثمار المباشر و08% من التجارة الدولية تنحصر في منطقة من العالم يعيش فيها 82% فقط من سكان العالم .

ب- سيطرة الشركات العملاقة عملياً على الاقتصاد العالمي، إنّ خمس دول -الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا- تتوزع فيما بينها 172 شركة من أصل مائتي شركة من الشركات العالمية العملاقة . ( 55 ) ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات، وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية، و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية، و34% في قطاع البذور التجارية . ( 56 )

ج- تعميق التفاوت في توزيع الدخل والثروة بين الناس بل بين المواطنين في الدولة الواحدة، واختزال طاقات شعوب العالم إلى طاقة دفع لماكينة الحياة البراجماتية الاستهلاكية للقوى الرأسمالية والسياسة الغربية المسيطرة . ( 57 ) لقد كان المدافعون- بحسن نية عن العولمة- يراهنون على أن العولمة ستؤدي إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد على المستوى العالمي ، وبالتالي تخف ظاهرة الفقر التي تعاني منها كثير من دول العالم, لكن الحقائق والأرقام ، تكشف عن واقع مؤلم مختلف , ففي الوقت الذي ازداد معدل دخل الفرد ، فإنّه صاحب هذه الزيادة اتساع في الهوة الشاسعة بين مستوى الدخل في الدول الغنية والدول الفقيرة، فمازال دخل أكثر من مليارين إنسان لا يزيد على 60 دولاراً في الشهر، ما يعني أن خطر الفقر مازال يطل برأسه القبيح على دول كثيرة في العالم.

وقد أرجع تروس سكوت الأستاذ الجامعي في إدارة الأعمال – في بحثه عن أسباب التفاوت بين النظرية والواقع في مفهوم العولمة- إلى سببين, السبب الأول: أن الدول الغنية مازالت تصرّ على وضع العوائق في وجه هجرة العمالة من الدول الفقيرة إليها، ففي العام 1997م سمحت الولايات المتحدة الأميركية بهجرة 737 ألف وافد فقط، في حين لم تسمح الدول الأوروبية إلا بهجرة 665 ألفاً، ومجموع العددين لا يمثل سوى 4 في المائة من العمالة المهاجرة المتوقعة، إلى جانب ذلك ترفض الدول الغنية استيراد المنتجات الزراعية من الدول الأفقر, أما السبب الثاني: فيعود إلى أن الدول الفقيرة فشلت نتيجة لسوء حكوماتها في اجتذاب رؤوس الأموال من الخارج. ( 58 )

د- استئثار قلة من سكان الدولة الواحدة بالقسم الأكبر من الدخل الوطني والثروة المحلية، في الوقت الذي يعيش أغلبية السكان حياة القلة والشقاء ويوضح ذلك أن عشرين بالمائة من الفرنسيين يتصرفون فيما يقرب من سبعين بالمائة من الثروة الوطنية، وعشرين بالمائة من الفرنسيين لا ينالون من الدخل الوطني سوى نسبة ستة بالمائة . ( 59 )

هـ- النمو المطرد للبطالة، وانخفاض الأجور وما يرتبط بها من تقليص في قدرة المستهلكين واتساع دائرة المحرومين، وقد دلت الإحصائيات على حقائق خطيرة، ففي العالم (800) مليون شخص يعانون من البطالة وهذا الرقم في ازدياد، وفي السنوات العشرة الأخيرة عملت 500 شركة من أكبر الشركات العالمية على تسريح أربعمائة ألف عامل -في المتوسط- كل سنة، على الرغم من ارتفاع أرباح هذه الشركات بصورة هائلة، فإحدى هذه الشركات منحت للمساهمين فيها مبلغ خمسة مليون دولار لكل منهم ( 60 ) والشركات الأمريكية تسرِّح مليونين من العمال. ( 61 )

ونتيجة لذلك ظهرت عدائية كثير من منظمات المجتمع المدني الغربية،وخاصة في الولايات المتحدة للعولمة، وخاصة المنظمات العمالية، واتحادات الشغل التي تراقب أثر عولمة الاقتصاد على معدلات أجور العمال، وعلى نسبة البطالة في الغرب. ( 62 )

وإنّ الفقر الناتج عن البطالة حتما يقود إلى اتساع دائرة الجريمة فالعولمة تسمح وبيسر للعصابات بأنّ تشكل شبكة دولية عبر (الإنترنت) وتمكن المتهربين من دفع الضرائب من نقل أموالهم إلكترونيا إلى أمكنة أخرى، فمن روسيا وحدها وصل إلى العالم الغربي منذ عام 1990م خمسون مليار دولار بطريقة غير شرعية، ويقدر خبراء الأمن أن ثروة منظمات المافيا في النمسا وحدها تتجاوز تسعة عشر مليار دولار، كل هذا يجري على حساب الدولة التي بدأت تئن تحت ضائقة الفقر لتقلص الضرائب وهروبها، وهذا يعني ضعف الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية التي تقدمها الدولة، وتتضاعف حدة مشكلة الفقر،وتصبح أشدّ خطورة،وبالنتيجة فإنّ شرعية هذه الدولة واستقرارها يصبحان مهددان. ( 63 )

و- فرض السياسات الاقتصادية والزراعية على دول العالم -وخاصة النامية- بهدف تعطيل التنمية الاقتصادية، وإبقائها سوقاً استهلاكية رائجة للمنتجات الغربية، وتسليم إرادتها السياسية للقوى الحاكمة في أمريكا. ففي بعض الدول انخفضت معدلات النمو عام 98م بأكثر من 100% وارتفعت معدلات البطالة بنسبة خطيرة أدت إلى حدوث مشكلات اجتماعية عديدة من أهمها زيادة نسبة الفقر والأمية ( 64 ) .

يقول ساكيكو فوكيربار: "ما دام الاقتصاد ومفاهيم السوق من العناصر الأساسية في العولمة فإن التنمية البشرية لن تأخذ حظها الذي تستحق من هذه العولمة". ( 65 )

ز- إضعاف قوة موارد الثروة المالية العربية المتمثلة في النفط حيث تم إضعاف أهميته كسلعة حينما تم استثناؤه من السلع التي تخضع لحرية التجارة الدولية -أسوة بتجارة المعلومات- من تخفيض الضرائب والقيود الجمركية المفروضة عليه من الدول المستهلكة، فما زالت هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ترفض اعتبار النفط والمشتقات البتروكيماوية من السلع التي يجب تحريرها من القيود الجمركية والضرائب الباهضة التي تفرضها الدول المستهلكة، وبذلك تجني هذه الدول الأرباح الهائلة من وراء ذلك، وهي تعادل ثلاثة أمثال العائدات إلى الدول المنتجة في الوقت الحاضر، بل أصدر الكونجرس الأمريكي تشريعاً يقضي بفرض العقوبات على دول في منظمة أوبيك إذا شاركت في رفع أسعار النفط أو تثبيتها. ( 66 )

ح- ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول الإسلامية، نتيجة إلغاء هذه الدول الدعم المالي الذي كانت تقدمه للسلع الغذائية، وبسبب الاحتكار والمنافسة غير المتكافئة من الدول الكبرى، وبسبب قيود الجودة وشروط المواصفات العالمية التي تفرضها الاتفاقيات التجارية والصناعية الدولية، وهي شروط لا تقدر الدول الإسلامية النامية على الوفاء بها ( 67 ) . ويترتب على ذلك ابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي وقصر دورها في حراسة النظام . وأن تبقى الأسواق الإسلامية سوقاً مفتوحاً رائجاً أمام المنتجات والبضائع الأوربية والأمريكية، وأن تقّوض المصانع والمؤسسات الوطنية والاقتصاد الوطني . ( 68 )

ط- عملية الإغراق :ومن مخاطر العولمة ظهور عملية الإغراق التي ترتبط بالسعر, وذلك بأن تطرح في الأسواق سلع مستوردة بأسعار تقل كثيراً عن سعر المثيل في السوق المحلي, أو عن سعر المثيل في سوق الدولة المنتجة لهذه السلعة وتصدرها, أو انخفاض سعر البيع عن سعر تكلفة الإنتاج , ويتم تداولها لفترة زمنية, بهدف استرداد نفقاتها وتحقيق الربح, تلك هي الحالات الثلاث التي تعتبر فيها السلع المستوردة بمثابة سلع أو واردات إغراق .

وهذه المشكلة ظهرت مع دخول العولمة وإلغاء التعرفة الجمركية, أو الحد منها على بعض السلع, حيث كان قديماً لا يمكن حدوث ذلك لان الدول كانت تتحكم في سعر السلعة بزيادة سعر الجمارك, مما يؤدي إلى زيادة سعر المنتج المستورد عن المنتج المحلي أو على الأقل يساويه في الثمن , ولكن مع فتح الأسواق أمام التجارة العالمية, فإننا سنشهد حالات إغراق كثيرة، وكذلك تجاوزات لا نضمن إلى أي مدى ستصل عواقبها" . ( 69)

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:35 pm

كتاب


المؤسسات اليهودية المهيمنة على وسائل الإعلام الأمريكية


مدخل :

إن أهمية الوقوف على تأثير جملة من المؤسسات أمر ضروري ، دفعت إليه الحاجة إلى معرفة مدى ما تتمتع به وسائل الإعلام الأمريكية من استقلالية في معالجة أخبارها، وتغطيتها الإعلامية بشكل عام . ونقصد هنا ما تعطيه المؤسسات الحكومية أو غير الرسمية من دلائل تشير إلى تأثيرها على وسائل الإعلام ، ونظرا إلى تعدد هذه المؤسسات واختلاف منطلقاتها ، فإن هذه الدراسة يركز على مؤسستين ، رأي الباحث التوقف عندها والتركيز عليها ، في مقدمتها ، أن عددا كبيرا من الأبحاث والدراسات الإعلامية المحايدة ، سواء تلك التي في الولايات المتحدة أو في غيرها من دول العالم ، يؤكد بشكل قاطع على تأثير هذه المؤسسات على وسائل الإعلام والرأي العام الأمريكي ، وأخطر هذه الأسباب هي اعتراف أعضاء من تلك المؤسسات بمدى تأثيرهم على الإعلام والرأي العام الأمريكي ومن هذه المؤسسات :


أولا: جماعات الضغط "اللوبي الصهيوني"

يتميز النظام السياسي الأمريكي بسيطرة حزبين على الحياة البرلمانية والإدارة التنفيذية " الحكومة " حيث يحظى الحزب الديمقراطي بالأغلبية الشعبية ، بينما يسيطر على الحزب الجمهوري أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة ، وينضم إلى صفوفه أعضاء الطبقة المتوسطة الأمريكية .

"ونجد أن أمريكا مرت بفترتين أساسيتين في النظام السياسي الأمريكي ، فترة دولة الرفاهية ، والتي استمرت من 1945 إلى 1970 ، وفترة تحول من سياسات الرفاهية إلى سياسة العزلة الاقتصادية التي تستهدف أبعاد شرائح اجتماعية عديدة من منافع النمو الاقتصادي ، هذا وقد شهدت الفترتان اختلافا واضحا في شبكة التحالف السياسية بين عدة شرائح اجتماعية، وبالتالي اكتسب دور جماعات الضغط السياسية أشكالا مختلفة ، تبعا لتغير سياسات النخب الأمريكية الحاكمة "(1) .

وتعتبر جماعات الضغط ظاهرة مميزة للنظام السياسي الأمريكي ، وهي عبارة عن جماعات تنظم حول بعض المصالح الاقتصادية المشتركة بين أعضائها ، وتعرف تلك الجماعات باسم جماعات المصالح الاقتصادية ، أو حول بعض الأهداف والقضايا العامة ، وتعرف باسم جماعات المصالح العامة ، كما يطلق عليها أسماء أخرى مثل جماعات المواطنين Citizens groups ، أو جماعات القضايا Cause groups ، ويرى لي أوبرين "أن اللوبي عبارة عن مجموعة مصلحية خاصة تعمل ضمن النظام السياسي ، لكي تؤثر في وضع السياسات على وجه يتفق مع أهدافها ، ويمكن لنشاط "اللوبي" أن يتخذ أشكالا مختلفة من التدخل السياسي في المناقشات مع زعماء الكونغرس وسواهم من الزعماء ، وإعداد المختصرات والمذكرات والخطب والتحاليل التشريعية ، وحتى وضع مشاريع قوانين من أجل اللجان والنواب في الكونغرس إقامة علاقات بالمعاونين التشريعيين الرئيسيين وسواهم من الشخصيات الفاعلة "(2) .

ونشأت هذه الجماعات نتيجة للجمود النسبي للنظام البرلماني الأمريكي ، فوجود حزبين كبيرين فقط قد حرم كثيرين من الجماعات التي تختلف مع وجهة نظر الحزبين الرئيسيين من فرصة تكوين أحزابها السياسية الخاصة ، وبالتالي تكونت تلك الجماعات بفرض التأثير على سياسات الحزبين فيما يتفق مع مصالحها المباشرة .

"وتنتظم جماعات المصالح الاقتصادية والمعروفة باسم جماعات المنتجين حول المهن والوظائف لأعضائها ، ومن أهم هذه الجماعات الرابطة القومية للمنتجين ، والتي تمثل أكثر من 16.500 ، مؤسسة اقتصادية والغرفة التجارية للولايات المتحدة والتي يبلغ أعضائها 5 مليون عضو ، ينتشرون في 4000 رابطة 140 ألف مؤسسة اقتصادية محلية ، وتعد هذه الغرفة من أقوى المجموعات العمالية في أمريكا والعالم ، حيث تمثل الارستقراطية العمالية لتميزها داخل النظام الإنتاجي الأمريكي ، ومن أهمها الاتحاد الأمريكي للعمال والنمو ، ويشار إليه ( AFL-C10 ) ويمثل هذا الاتحاد 14 مليون عضو(3) . ومن ناحية أخرى هناك جماعات المصالح التي يصعب تعريفها ، فهي لا ترتكز على مصالح اقتصادية مباشرة ، وإنما تتكون للدفاع عن قضية واحدة تشكل اهتماما عاما لقطاعات اجتماعية معينة ، ومن أشهرها الرابطة القومية للشعوب الملونة والتي تشمل 475 ألف عضو ، وهي تعمل لإزالة التفرقة العنصرية(4) . ويشير سعيد الشرقاوي في دراسته عن الأحزاب وجماعات الضغط إلى أن عدد جماعات الضغط في الولايات المتحدة " ما بين 1500 و 2000 جماعة "(5) .

وتوزع هذه الجماعات بين الجماعات الاقتصادية مثل الاتحاد القومي لرجال الصناعة ، وجماعات وطنية مثل الرابطة الأمريكية للمحاربين القدماء .

وجماعات مهنية مثل الرابطة الأمريكية للمحامين ،وجماعات دينية مثل المؤتمر اليهودي الأمريكي ،وجماعات سياسية مثل الاتحاد الديمقراطي للأمريكيين ، ويرى سعيد الشرقاوي " أن هذه الجماعات بلغ تأثيرها على القرار السياسي لدرجة حدت ببعض الكتاب إلى تسميتها بالمجلس الثالث ، تعبيرا عن هذه الجماعات تعبيرا مجازيا ، مجلسا ثالثا من مجلس الكونغرس الأمريكي والذي يتكون أصلا من مجلس النواب والشيوخ(6) .

وما يهمنا في هذا الإطار هو دراسة سلوك جماعات الضغط اليهودية ، حيث تشير جماعات الضغط في المجتمع الأمريكي " بأنها من أنشط الجماعات سياسيا واجتماعيا ، على الرغم من أن عدد اليهود الفعلي لا يتجاوز في عام 1980 ستة ملايين ونسبة 2.8% من حجم السكان"(7).

وأصوات الناخبين اليهود تمثل 4% إلا أن تأثير اليهود على الرأي العام الأمريكي يتعدى بكثير حقيقة نسبة أصواتهم الانتخابية ، حيث تستخدم هذه الجماعات تأثيرها بذكاء شديد على السياسة الأمريكية ، وعلى وسائل الإعلام وأساليب الإرهاب الفكري ، من أجل فرض حصار على الرأي العام الأمريكي "(Cool .

وهذا يعني أن تأثير هذه الشريحة في مجمل القضايا السياسية والاقتصادية يفوق ويتجاوز حجمها الحقيقي ، ويرسم مؤشرا واضحا لحجم الضغط الذي يمكن أن تشكله على صناعة القرار في دولة تتصارع فيها القوى والمصالح والاتجاهات .

ومما تقدم فإن التركيز سيكون على أخطر هذه الجماعات ، وهي اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ، ومن هنا لابد من الإشارة أولا إلى أشهر وأهم المنظمات اليهودية .أشهر المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة :

1- اللجنة الإسرائيلية - الأمريكية للشئون العامة AIPAC :

تأسست سنة 1959م ، ومقرها كابيتول ستريت واشنطن . " ولم يستخدم اسم اللجنة الإسرائيلية الأمريكية حتى سنة 1959 ، رغم أن هذا اللوبي قائما منذ 1951(9) وتقول نادية رميس باحثة في الاقتصاد السياسي والعلوم السياسية في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام "إن هذه اللجنة سجلت بصفة رسمية في الكونغرس الأميركي عام 1954 ، كجماعة مصالح قانونية ، وبموجب قانونها فهي تدافع عما يسمى بالمصالح والأهداف الخاصة باليهود الأمريكيين"(10) .

ويرى بول فندلي عضو الكونغرس الأمريكي السابق أن منظمة إيباك هي اللوبي الرئيسي الموالي لإسرائيل في واشنطن ، وتعد هذه المنظمة صورة مرادفة للسلطة المرعية في أمريكا(11) .

حيث كان اللوبي يهدف في البداية إلى زيادة المساعدة الأمريكية الاقتصادية لإسرائيل ويعبر كنن في كتابه " خطر إسرائيل الدفاعي : أصدقاؤها وأعداؤها في واشنطن " إن إسرائيل تحتاج إلى مساعدات اقتصادية أمريكية ، حتى تتمكن إسرائيل من استيعاب المهاجرين ، ويقول : " لسوء الحظ كانت وزارة الخارجية تعارض أية منحة أمريكية لإسرائيل ، لأنها كانت تخشى إغضاب العرب الذين لم يطالبوا المساعدة أمريكية آنذاك ، وكانت السياسة الأمريكية متأرجحة نتيجة الخوف من أن ينحاز العرب إلى موسكو في الحرب الباردة ، فأجبرنا موقف وزارة الخارجية السلبي على أن نستنجد بالكونغرس"(12).

وفي عام 1951 كان كنن ممثل واشنطن في المجلس الصهيوني الأمريكي حتى سنة 1953 ، وفي سنة 1954 أعاد كنن تسمية الجنة الضاغطة ، اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة ، محتفظا بالقيادة والعضوية دون أن يوافق على قبول التمويل المعفي من الضرائب من المجلس الصهيوني الأمريكي(13) . ويشير أشيع كنن أنه تم تغيير اسم اللوبي إلى اللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشئون العامة سنة 1959 نتيجة ضغط التنظيمات الدفاعية غير الصهيونية بالدرجة الأولى ، وقامت هذه المجموعات التي لم يكن في وسعها الضغط بصورة دائمة بحكم إعفائها من الضرائب بدور رئيسي في تطور اللجنة الإسرائيلية الأمريكية ، حيث يصف كنن خطواته الأولى في إنشاء اللوبي "وجدنا تعاونا من جميع المنظمات اليهودية الرئيسية الصهيونية منها وغير الصهيونية ، مثل المنظمات الدفاعية ، ولم تكن راغبة في الضغط لكنها وافقت على البحث عن ناخبين بارزين كي يفتحوا أبواب الكونغرس أمامنا "(14) . ومن بين المنظمات التي يدرجها كنن باعتبارها مناصرة له 1954 بنى بريت ، اللجنة اليهودية الأمريكية ، الكونغرس اليهودي الأمريكي، هداسا ، فاللوبي انبثق من تجمع أصيل مشترك بين المؤسسة اليهودية وممثلي الحكومة الإسرائيلية ، وتقدم لجنة الإيباك موظفيها إلى شغل مناصب عليا في البيت الأبيض ، ففي تقرير صدر عنها في عام 1983 مقدم إلى الحكومة الأمريكية جرى تدوين ست أشخاص كموظفين ذوي رواتب ، يعملون مباشرة في النشاطات التشريعية "، لقد وصل أحد أعضاء اللجنة إيباك إلى منصب نائب المساعد الخاص للرئيس في مكتب البيت الأبيض ، للارتباط العام ، وهو مايكل غيل حيث قال استدعاني الرئيس ريغان من أجل أن أكون الصوت اليهودي له ، وذلك بعد أن امتنعت اللجنة القومية اليهودية على تأييد إسرائيل(15) .


2- مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى

تأسس عام 1959 ، ويقع في ولاية نيويورك في بارك افينو ، ويصدر عنه صحيفة ميدل أيست ميمو(16) ، بدأت الجهود الرامية إلى إنشاء مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى ، الذي يشار إليه عادة مؤتمر الرؤساء (1955) ، ونشأ نتيجة مباشرة شكوى مساعد وزير الخارجية الأمريكي هنرى بايدوى من أن " عددا كبيرا من المنظمات اليهودية كان يتنافس لمقابلة الرئيس إيزنهاور ، للبحث في قضية إسرائيل والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط "(17) .

وأخذ ناحوم غولدمان الذي أصبح أول رئيس للمؤتمر مبادرة إلى دعوة مجموعة عمل فوري مؤلفة من ست عشرة منظمة(*) للاتحاد ، يمثل كل منها رئيسها أو مديرها.

وتأسس مؤتمر الرؤساء الذي كان يعرف باسم نادي الرؤساء بصورة رسمية 1959 ، وقد انظم إلى المنظمات الست عشرة الأولى المؤسسة للمؤتمر منظمات أخرى(**) ليصبح عدد منظمات المنظمة إلى المؤتمر سبعا وثلاثين منظمة ، ويشغل منصب الرئيس كل عامين رئيس إحدى المنظمات السابقة ، ويرشحه مجلس مؤلف من ثمانية أعضاء ، " تبلغ ميزانية المؤتمر حتى سنة 1982 (350) ألف دولار ، وتجمع من التبرعات التي يدفعها الأعضاء بدرجة أولى(18)، ويصف مؤتمر الرؤساء بأنه الذراع الدبلوماسية لمنظمة إيباك ، ويشمل نفوذه في أنه يمثل إجماع المنظمات التي يتركب منها. ويتركز مهام المؤتمر في :

1- تأويل وتبليغ موقف اليهود الأمريكيين إلى الحكومة الأمريكية وصانعي القرار ووسائل الإعلام والحكومة الإسرائيلية والدول والهيئات الأخرى .

2- تأويل وتبليغ موقف الحكومة والشعب الأمريكي إلى الحكومة الإسرائيلية، والطائفة اليهودية الأمريكية .

3- عرض الموقف الإسرائيلي على الحكومة الأمريكية والطائفة اليهودية الأمريكية(19) .

وبذلك سيكون المؤتمر رابطة السياسة الخارجية للمؤسسة اليهودية الأمريكية، ونتيجة لذلك فإن رئيس المؤتمر في فترة حكم الرئيس ريغان (جوليوس برمان) " عقد اجتماعات مع بوش نائب الرئيس ، ووزير الخارجية ، ووزير الدفاع ، وممثل أمريكا في الأمم المتحدة كير كبايرك ، ومستشار الأمن القومي ريتشارد آلن في محاولة لخلق قنوات اتصال مستمرة لنقل وجهات النظر الخاصة بالقضايا التي تمس إسرائيل"(20) .

ومن أكثر المواقف التي يمكن الإشارة إليها في مدى تأثير هذه المنظمة اليهودية على أعلى مستويات السلطة في الولايات المتحدة ، هو دور المؤتمر في حملة الانتخابات الأمريكية التي جرت في عام 1981 بين كارتر والرئيس ريغان ، فعندما ألقى كارتر خطابه علق رئيس المؤتمر هوارسكوردن في مؤتمر صحفي حاشد ، أعتقد أن الناس غادروا القاعة والقلق لا يزال يساورهم حول بعض القضايا ، وبعد اجتماعه مع الرئيس ريغان علق بقوله " لقد قال الرئيس ريغان الأشياء الصحيحة "(21) .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:36 pm

3- المنظمة الصهيونية العالمية - القسم الأمريكي
تأسست في مدينة نيويورك عام 1891م ، حيث تصدر هذه المنظمة مجلة بذستديم ، وهي مجلة أدبية شهرية متخصصة للقضايا الصهيونية ، التي هي موضوع اهتمام عام لدى المنظمة ، وتساعد أيضا في نشر المشهد الإسرائيلي والدليل السنوي للبرامج الإسرائيلية(22) .


4- المنظمة الصهيونية في أمريكا

تأسست في نيويورك 1897 ، وتصدر هذه المنظمة المجلة الفصلية الصهيونية الأمريكية، ونشرة أسبوعية إعلامية The zienist information news serves وترصد المنظمة نشاطات الكونغرس والبيت الأبيض ومكاتب الحكومة في واشنطن ، وتوزع المنظمة عبر وكالتها الإخبارية على أعضائها الراعين لها نشرة إخبارية أسبوعية مملوءة بالأخبار الحيوية التي لا توجد في مكان آخر(23) .


5- اللجنة اليهودية الأمريكية

تأسست 1906 في نيويورك ، وكان هدفها المعلن الدفاع عن الحقوق المدنية والدينية لليهود في أمريكا وخارجها ويصدر عن هذه اللجنة إحدى أشهر الدوريات "كومنتري" حيث تتلقى دعما من المنظمة بقيمة 150 ألف دولار سنويا ، ورغم تناقص القبول على المجلة فعلا بسبب اللهجة العبرية الإسرائيلية الواضحة في خطابها ، حيث تناقص من 600 ألف دولار سنة 1971 إلى 381.500 ألف دولا سنة 1981م ولكن ذلك لا يعني تأثير المجلس بهذه العلاقة وحدها"(24) .

وفي فترة إدارة الرئيس ريغان اكتسبت المجلة المصداقية ، وكان كل من جين كير كباترك ممثلة أمريكا في الأمم المتحدة ، ومستشارها الرسمي كارل غرشمان قبل تعيينه في منصبه 1981 ويقال " إن نظرة ريتشاد بابيس إلى السوفيات في ضوء الحرب الباردة ، ومناداته بإتباع سياسة قوية منشودة ، كما جاء في الـ "كومنتري" هما اللذان أديا إلى تعيينه 1981 في مجلس الأمن القومي(25).


أولاً- جماعات الضغط وتأثيرها على النظام السياسي الأمريكي :

يشير بول فندلي أن تأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي على السياسة الأمريكية يفوق بكثير تأثيره في بلده ، ويعترف السناتور فولبرايت وهو ديمقراطي ورئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن الإسرائيليين يتحكمون في سياسة الكونغرس ومجلس الشيوخ ، وأن نسبة 70% من أعضاء مجلس الشيوخ لا يحددون مواقفهم إلا تحت ضغط اللوبي ، وليس برؤيتهم القائمة على مبادئ الحرية والقانون(26) .

ومع مرور السنين تغلغل اللوبي اليهودي تماما في نظام الحكم الأمريكي بكامله، وأصبحت " إيباك وهي التي تركت أعمق انطباع وحتى رئيس الولايات المتحدة يلجأ إليها كلما واجهته مشكلة سياسية معقدة لها علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي "(27) .

إن ما يعرف باللوبي اليهودي أو المناصر لإسرائيل ، يضم عدة منظمات من أشهرها إيباك وهي اللوبي الرسمي الوحيد المسجل والمكلف بمهمة الدعاية لدعم إسرائيل باسم الطائفة اليهودية الأمريكية ، حيث تقوم بتوجيه المساهمات المالية للمرشحين السياسيين ، ويعمل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى بمثابة " الصوت الرسمي لليهود في أمريكا ، فيما تجعل إسرائيل في كلا الميدانين السياسي القومي والدولي "(28) .

حيث يشير الرئيس الأمريكي ترومان أمام حشد من الدبلوماسيين قائلا : "آسف أيها السادة على أن استجيب لنداءات الذين ينتظرون فوز الصهيونية - وليس لدى آلاف العرب من بين الناخبين"(29) أما كلمنت إتلى المحلل السياسي الأمريكي يؤكد "أن سياسة أمريكا في فلسطين يشكلها الصوت الانتخابي اليهودي والإعانات المقدمة من الشركات اليهودية "(30) .

أما سعيد الشرقاوي فيقول : إن جون كندي قال في أول مقابلة له مع بن جوريون في ربيع 1961 "أعرف تماما أنني أنتخبت بفضل أصوات اليهود الأمريكيين ، وأنا مدين لهم بانتخابي قل لي ماذا علي أن أفعله من أجل الشعب اليهودي(31) . أما نائبه لندن جونسون ، والذي أصبح رئيسا بعد كندي فقد قال عنه أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين : "لقد فقدنا صديقا كبيرا - يقصد كندي - ولكننا وجدنا أفضل منه إنه جونسون افضل صديق عرفته الدولة اليهودية في البيت الأبيض"(32) . ومن المعروف أن جونسون هو مهندس عمليات العدوان الإسرائيلي على عدد من الأقطار العربية سنة 1967 ، وأن الوثائق التي اهتمت بهذه الحرب كشفت فيما لا يدع مجالا للشك الدور الرئيسي والهام الذي لعبته الإدارة الأمريكية في عهده في دعم العدو الإسرائيلي وتأمين احتلال إسرائيل لأجزاء من الأقطار العربية المواجهة بإسرائيل وإحكام سيطرتها على كامل التراب الفلسطيني ، وأن الإدارة الأمريكية لم تتردد في عهده في مد الكيان الإسرائيلي بكل المقومات العسكرية والاقتصادية ، التي هيأتها لها الظروف المناسبة لتصبح قوة إقليمية مؤثرة ، خصوصا فيما يتعلق بالنشاط النووي الإسرائيلي الذي صادف في هذه الفترة ولادته الحقيقية وتطوره ، وأعطى لإسرائيل قوة تهديدية بالغة الأهمية نقلت الصراع معها من حالة الروح التقليدي إلى ما يعرف بحالة الردع النووي ، وبصفة عامة فإن مسألة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة مسألة معقدة ، حيث تعتبر هذه القوى المسؤولة عن إرغام الحكومة في أمريكا على انتهاج سياسة موالية لها لا تتعارض مع مصالحها ومناقبها الماضية، ويشرح بدل دابرش الذي عمل معاون سناتور قبل أن يصبح محللا سياسيا نقود جماعات الضغط " لديهم نظام مدهش فإذا صوتت إلى جانبهم أو أدليت بتصريح أعجبهم فإنهم ينشرون الخبر بسرعة عن طريق مطبوعاتهم ، وإذا نطقت بما لا يريدون فقد عرضت نفسك للشجب والتشهير عبر هذه الشبكة ذاتها " وهذا النوع من الضغط كفيل بأن يؤثر على تفكير الشيوخ ، خصوصا إذا كانوا مترددين أو بحاجة إلى تأييد "(33) .

وتختلف إيباك عن غيرها من جماعات الضغط الأخرى في أنها تحاول مناصرة المرشحين جهارا ، وتجمع الأموال وتنفقها في سبيل الحملات الحزبية ، وهي الرسمية إنما تترك الاشتراك في حملات اللجان العمل السياسي " باك " وأكثر من ثلاثة آلاف لجنة منها مسجلة بموجب القانون الاتحادي ، وهم جميعا مرتبطين بمجموعات ضغط ذات مصالح خاصة ، وبينها أربع وخمسون لجنة تركز على تأثير إسرائيل ، ولكن أي منها لا تعلن أنها مرتبطة بإيباك أو بأي منظمة يهودية أخرى(34) .

ونشرت صحيفة ناشيونال جورنال الأمريكية بأن لجنة العمل السياسي الوطنية ، وهي لجنة غير عمالية وغير تجارية " أنفقت في عام 1982 ما يقرب 6 مليون دولار على 109 مرشح للكونغرس ، وأعطت المبلغ الأقصى المسموح به قانونا وهو 5 آلاف دولار لكل (31) مرشح لمجلس الشيوخ ، فاز منهم 28 ، أما مجلس النواب فقد فاز 57 مرشحا من أصل 73 مرشحا ساندتهم اللجنة "(35) . ويؤكد بول فندلي " إن السناتور الجمهوري ديفيد دور نيرغر من متسوتا، تلقى في معركة إعادة الانتخابات عام 1982 مبلغ 57 ألف دولار من 20 لجنة عمل سياسي موالية لإسرائيل ، منها عشرة آلاف دولار من لجنة كاليفورنيا "(36) . وقد نشرت صحيفة ناشيول ريفيوا إعلانا في صفحة كاملة يهدف إلى اجتذاب المؤيد من غير اليهود ، وجاء في الإعلان بأحرف كبيرة " إن دعم المرشحين الذين يؤمنون بإسرائيل ليس مفيدا لإسرائيل فحسب ، بل هو مفيد للأمريكيين أيضا " وجاء بحروف صغيرة تحت ذلك : يحسب بعض الناس في أمريكا اليوم أن عليك أن تكون يهوديا ، كي تدعم مرشحي الكونغرس الذين يؤمنون بإسرائيل ، لكن ليس عليك أن تفعل ذلك ، كل ما عليك عمله هو أن تؤمن بأمريكا . فأنت ترى أن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إذا تتعرض للحظر ، فقد يستغرق أمر إنقاذها أشهر ، لكن بوجود إسرائيل فلن يستغرق ذلك إلا أياما(37) .

ويشير نائب من اوهايو " أن إيباك أكثر المجموعات الضاغطة على الكوبتول هيل (الكونغرس) ، وهذه المنظمة لها المال والرجال ، وهي تعرف ماذا تفعل ، وأن ما يؤسفني هو عجز مخططي السياسية الخارجية الأمريكية بسبب ضغوط إيباك ، لهذا فإن اليهود يستطيعون أن يصنعوا جدول أعمال سياستنا الخارجية "(38) . وكتبت في هذا الصدد المحللة السابقة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كاتلين كرسيتون في صحيفة الواشنطن يوست " لقد أصبحت إيباك في عهد الرئيس ريغان شريكة في صنع القرار السياسي ، وأن الإيباك متغلغلة في البيت الأبيض والكونغرس إلى حد يستحيل معه معرفة أين ينهي ضغط اللوبي ، وأين يبدأ التفكير الرئاسي المستقل "(39) . وقد وصف هدرك سميث مراسل النيويورك تايمز تغلغل اللوبي اليهودي في إدارة الرئيس ريغان واللوبي الأكبر " … لقد تعاظمت عضلات إيباك السياسية إلى حد أنها عندما حل عام 1985 استطاعت مع حلفائها أن ترغم الرئيس ريغان على التراجع عن صفقة أسلحة كان وعد بها الأردن ، واستطاع اللوبي أن يحمل الرئيس ريغان على وقف صفقة طائرات مقاتلة أخرى للسعودية واضطر جورج شولتز وزير الخارجية إلى أن يجتمع مع المدير التنفيذي لإيباك ، وليس مع زعماء الكونغرس لمعرفة مستوى الصفقات التي توافق إيباك على عقدها مع السعودية "(40) .

وفي عام 1986 كتب ريتشارد ب. شتراوس الموظف السابق في إيباك الكاتب في صحيفة الواشنطن بوست يقول : " السياسة الأمريكية الشرق أوسطية قد تحولت بشكل مثير لصالح إسرائيل ، بحيث يمكن وصفها الآن بأنها ثورة "(41) .

ويرى لى أوبرين أن اللوبي يركز على مجلس الشيوخ انطلاقا من " أن ذلك أنفع بحكم نفوذ الشيوخ الأوسع ، " … " والتركيز الأكبر على الأعضاء الذين يعملون في اللجان الرئيسية للمساعدات الخارجية أو السياسية "(42) .

وتشير نادية رميس إلى أن اللوبي أكثر اهتماما بالشخص الذي يحتل رئاسة لجنة العلاقات الخارجية ، نظرا لقدرة الرئيس على التحكم بجداول الأعمال في الاجتماعات التشريعية. " إن اللوبي يهتم اهتماما عظيما عندما يصبح هذا المنصب شاغرا "(43) .

وخلال الخمس وعشرين السنة الماضية يرى بول فندلي " أن الود انقطع مرتين بين الكونغرس واللوبي الأولى حول بيع صفقة الأسلحة للسعودية 1970 حيث تمت المصادقة على بيع طائرات للسعودية بموافقة 54 صوتا مقابل 44 صوتا وفي 1981 صادق على بيع طائرات الأواكس للسعودية بأكثرية 52 صوتا مقابل 48 "(44) . ويمكننا أن نلاحظ هنا أن دعم التعاون مع بعض الأنظمة العربية والموافقة على مدها بمثل هذه التجهيزات المتقدمة لا يعني على الإطلاق انحسار تأثير جماعات الضغط اليهودية لأن حساباتهم السياسية والعسكرية تدرك أن دعم القوة العسكرية لمثل هذه الأنظمة لن يكون على حساب الترسانة العسكرية الإسرائيلية أولا ، ولأن هذه المعدات لن تشكل خطرا حاليا أو مستقبليا على أمن ووجود إسرائيل ، وأن طبيعة العلاقة بين هذه الأنظمة والحكومات الأمريكية المتعاقبة ، تؤمن لهذه المعدات ألا تستخدم خارج إطار المصالح الأمريكية والإسرائيلية ، إذا لم نقل تؤمن لدعم هذه المصالح ، وقد أكدت تجربة حرب اليمن وحرب الخليج الأولى والثانية سلامة هذا التحليل ، وأثبتت أن كل ما ورد لهذه الأنظمة من أسلحة ومعدات متقدمة وكل ما حظيت به من فرص التدريب لم يكن له أي تأثير إيجابي على مصالح شعوب هذه المنطقة ، ولم يثبت اشتراكه في آلية الصراع العربي الصهيوني على مدى أكثر من نصف قرن من امتداد هذا الصراع بما في ذلك الحروب التي كانت فيها الأمة العربية طرفا ضد هذا العدو التاريخي ، وخلافا لهاتين المرتين فإن الكونغرس كان دائما طوع بنان الجماعات الضاغطة اليهودية ، فعندما أعلن الرئيس فورد إعادة تقييم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ، ودعا البيان إلى تسوية أفضل مع الأطراف العربية لم يأت الرد من إسرائيل ، بل إن القدس حركت اللوبي في الكونغرس ، وجمعت توقيعات ثلاثة أرباع مجلس الشيوخ على أنهم مؤيدون لموقف إسرائيل ، وعندما يعرض الكونغرس موضوعا ذا أهمية لإسرائيل ، تقوم إيباك على الفور بتزويد جميع الأعضاء بالمعلومات والوثائق ، بالإضافة إلى ما تتطلبه الظروف من مكالمات تلفونية وزيارات شخصية " إذا أبدى السناتور أو النائب ترددا أو معارضة فإن هذا يضمن عادة تلقيه أعدادا كبيرة من الرسائل والبرقيات والمكالمات من أصحاب النفوذ من الناخبين "(45) . ومن أبرز الأمثلة التي قامت بها إيباك أنها ولأول مرة وخلال السنة التي سبقت الانتخابات باستفتاء المرشحين لمجلسي النواب والشيوخ وعددهم 750 . والسؤال الوحيد الذي تم توجيهه للمرشحين يتعلق بوجهه نظرهم حول إسرائيل والشرق الأوسط ، ويؤكد ريتشارد نيكسون الرئيس السابق للولايات المتحدة " أن من المشكلات التي واجهتها التعنت وقصر النظر في الموقف المؤيد لإسرائيل في قطاعات واسعة ذات تعدد داخل المجمع اليهودي الأمريكي والكونغرس والإعلام وفي الدوائر الفكرية والثقافية ، وفي ربع القرن الذي تلا الحرب العالمية الثانية صار هذا الموقف راسخا إلى حد جعل الكثيرين يرون أن عدم مناصرة إسرائيل معناها مناهضتها ، أو حتى مناهضة السامية وحاولت أن اقنعهم بأن الأمر ليس كذلك ولكني فشلت"(46). إذا كان هذا وجهة نظر رئيس الولايات المتحدة فإن هذا دليل قاطع على مدى الضغط التي تمارسه الجماعات اليهودية على السياسة الأمريكية ، إن من الواضح أن أعداء الديمقراطية أصبح أكذوبة تفندها مواقف الزعماء والشيوخ والسناتورات في الولايات المتحدة ، ومن أكبر الأحداث التي لعب فيها اللوبي ضغطا هائلا على الولايات المتحدة ما يعرف " بقضية المنحة الليبية لجامعة جورج تاون "(47) . حيث كانت الدول العربية تمنح مركز الدراسات العربية في جامعة جورج تاون هبات ، ونتيجة لهذه الهبة الليبية قامت الحملات الإعلامية التي شنها مجهولين بروح تآمرية ، فقد نشرت مجلة النيوزويك الأمريكية مقالا تتهم فيه باستمرار انتهاك مركز جورج تاون المعايير العلمية والموضوعية ، وأن هناك شبكة غير رسمية(48) الأمر الذي دفع جامعة جورج تاون للدفاع عن الهبات العربية وصدر بيان عن الجامعة وضحت فيه " أن الجامعة بقبولها التبرعات تعمل على صون كرامتها واستقلالها والحرية الأكاديمية والمدنية للعاملين فيها ، وترفض أي هيمنة تحمل معها تميزا مؤذيا بأي عنصرية الدين أو الجنس "(49) ، غير أن رئيس جامعة جورج تاون هيلى أعلن في فبراير 1981 عن رد هبة عربية ، كان المركز قد طلبها وتلقاها وكانت هذه الهبة من ليبيا التي وصلت قبل أربع سنوات من اصل المبلغ الذي وعدت به ليبيا ، وهو 750 ألف دولار على مدى خمس سنوات وصل المبلغ 60.000 دولار ، وسلمه شخصيا للسفارة الليبية ، وقال هيلي : " إن تشديد ليبيا على العنف كأسلوب عادي في السياسة الدولية ودعمها المتزايد للإرهاب يجعلان الاحتفاظ بهذا المال لا يناسب مع تدافع عنه جورج تاون(50) . وقد علق أحد الأساتذة في برنامج الدراسات العربية بقوله : إذا كان الحكم أخلاقية صرفا ، فقد تأخر صدوره كثيرا ، وأضاف جون رودي " إذا سألت من حولك هنا فمن المحتمل أن لا تجد في مركزنا من يوافق سياسات صدام حسين ، ولكننا نحاول أن نحتفظ بعلاقات تعاونية مع الحكومة ، ونعتقد أن هذه هي رسالتنا وأشعر بالشيء ذاته إزاء ليبيا ، فأنا أجد القذافي الرئيس الليبي يستحق في نظري هدية من الشعب الليبي "(51) . وقد عارض عميد المركز بتر كروغ في إعادة المال ، إلا أنه لم يجعل من ذلك قضية ، واكتفى بالاعتذار للصحافة بقوله : " إننا لم نشعر إطلاقا بأي ضغط من جانب الحكومة الليبية بشأن انفاق المال ، لكن العمداء عمداء والرؤساء رؤساء يفعلون ما يحلو لهم "(52) . وهكذا نجد بصمات جماعات الضغط تشكل أخطبوطا مريعا ي، تدخل ويوجه آلة العمل السياسي والاقتصادي والثقافي في أكبر دولة في العالم . ولا يتورع عن تشويه كل المبادرات ذات الطابع الإنساني المتحضر وتحويل مثل هذه المبادرات إلى فرصة ثمينة لتصفية الحسابات السياسية ، وما أكثر الأمثلة والنماذج التي استطاع فيها اللوبي الصهيوني أن يرسم ظلالا من الشك على تصرفات ومواقف تعد رائدة ومتحضرة بكل المقاييس واستطاع أو حاول على الأقل توظيفها لخدمة الأهداف الصهيونية ، التي تؤكد لنا كل الشواهد سيطرتها على القرار السياسي وصياغته في هذه الدولة .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:37 pm

تابع
كتا ب
المؤسسات اليهودية المهيمنة على وسائل الإعلام الأمريكية


إن سوق هذا الحدث لم يكن جزافا ، فعلى اعتبار أن الهيئات العلمية مقدسة ، وتتمتع بحرية كاملة في الولايات المتحدة ، وبعيدة عن السياسة ، إلا أن النائب الأمريكي بول فندلي يكشف " أن للوبي اليهودي دورا كبيرا في الضغط بالمؤسسات السياسية ، والتي بدورها تضغط على الهيئات العلمية " فقد أعلن ايدا سلفدمان من اللجنة الأمريكية اليهودية سروره للقرار الذي اتخذته جورج تاون ، وبعد إعادة المال بيوم واحد تبرعت شركة ستيز وشركاؤهم المصرفية للاستثمار في مدينة نيويورك بمبلغ 100 ألف دولار لجامعة جورج تاون ، وأعلن المدير آلن غير ينبرغ " نحن معجبون بهم ، وهذه وسيلة صغيرة لنقول لهم شكرا "(53) ويقول رئيس جامعة جورج تاون البروفيسور هيلي في رده المال إلى ليبيا : " لم نشعر إطلاقا بأي ضغط أو ضيق، غير أن القضية أزعجتني ، وأظن أنني من النوع البطيء في التحرك ، ولكني أدركت رويدا رويدا أن ما تقصده ليبيا لا يتناسب مع جورج تاون "(54) ، ولكن هيلي كان أكثر صراحة في مقابلة مع مجلة واشنطن نايت إذ قال : " إنني وافقت أصلا على الهبة الليبية برغم من بعض الشكوك ، ولكن المال الليبي هو مصدر إزعاج كبير له ، أدخله في الحرب العربية الإسرائيلية الكلامية ، " وكتبت المجلة أيضا " صاح أصدقاؤه اليهود في وجهه في اجتماعاتهم الخاصة، وأصدرت إيباك بيانا علنيا تشجب فيه الجامعة بإداراته لمسايرة التوازن مثل زيارة إسرائيل ، ومنح سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة شهادة فخرية ، ورفضه الهبة العراقية ووضعه القلنسوة اليهودية على رأسه أثناء إقامة صلاة في حرم الجامعة - لم يخفف من الغضب اليهودي على الهبة الليبية(55)، إن هذا مثال يبين مدى تدخل اللوبي اليهودي في الحياة الأمريكية بشكل ملفت للنظر ، يؤكد عدم حرية المجتمع الأمريكي إن اللوبي اليهودي بوصفه جماعة ضغط ، يحق لها أن تدرج سياستها وبرامجها في برامج الأحزاب السياسية سواء على المستوى الفيدرالي، أو على المستوى المحلي ، وبالتالي بفعل هذه اللجنة - إيباك - " أصبحت وجهات نظر الحكومة الإسرائيلية جزء لا يتجزأ إلى حد كبير من برامج سياسات الأحزاب الأمريكية"(56).

ويكمن مصدر قوة اللوبي الإسرائيلي الرئيسي في أن التأييد الإسرائيلي هو أحد مقومات الاستراتيجية الأمريكية ، إن من أهم العوامل التي تساهم في قوة اللوبي وتأثيره على القضية الواحدة التي تعتمدها ، " هذا المحور الدائر على قضية مفردة هو بصورة عامة ما يشارك فيه مصدر قوة اللوبي الرئيس ، وهو التأييد الواسع القاعدة من مثل اليهود الأمريكيين ، ومع أن تأثير الصوت اليهودي يبدو واضح فإن الأرقام تدل على درجة المشاركة من شأنها أن تستدعي انتباه السياسيين ، وتضفي المصداقية على أفراد اللوبي ، ففي الوقت الذي يؤلف فيه اليهود 2.5% من سكان الولايات المتحدة(57) فإن المشاركة اليهودية في الانتخابات القومية يبلغ 90% تقريبا ، إذا ليس بالمعدل القومي بالنسبة إلى عدد السكان العام ، الذي يتراوح ما بين 40-55% هذه النسبة المئوية الإضافية ذات أهمية خاصة في الولايات ذات الأحوال الاقتراعية الرئيسية، حيث يخشى اليهود ففي ولاية نيويورك يؤلف اليهود ما يقدر 14% من عدد سكان الولاية ، لكنهم يدلون بما يتراوح بين 16-20% من الأصوات ، ولما كان اليهود الأمريكيون يؤلفون مجموعة عينة نسبية فيقدر أنهم يتبرعون بأكثر من نصف الهبات الكبرى للحملات الانتخابية، ومبالغ متزايدة للحملات الجمهوريين(58) .

نشيا هنا إلى أن نشير إلى بعض الحالات التي لعب فيه الضغط اليهودي الكونغرس الأمريكي والذي بالتالي صاغ ذلك الضغط في شكل قرار أمريكي لصالح إسرائيل منها على سبيل المثال :

1- نجحت في فرض قيود شديدة على بيع عدة أسلحة استراتيجية للأردن ، كما نجحت في تعطيل صفقة بيع طائرات الأواكس للسعودية ، وكان من الممكن أن تمنع هذه الصفقة لولا تدخل الرئيس ريغان بالضغط المباشر على الكونغرس ومجلس الشيوخ . فعند مناقشة صفقة بيع الطائرات الأواكس للسعودية في الكونغرس قام أعضاء اللجنة - إيباك - بتوزيع رواية الإبادة الجماعية على كل عضو من أعضاء المجلس ، مستخدمين بذلك وسائل الضغط العاطفي .

2- الضغط الذي مارسته إيباك على اتخاذ القرار الأمريكي الشهير بإعادة النظر في عضوية الولايات المتحدة لو تم طرد إسرائيل من منظمة الأمم المتحدة .

3- نجحت الإيباك في الدفع نحو انسحاب أمريكا ووقف دعمها لمنظمة التعليم والعلوم والثقافة التابعة للمنظمة الأمم المتحدة اليونيسكو عقابا لتلك المنظمة لاتخاذها قرارات مضادة لإسرائيل ، حتى إن الرئيس الأمريكي وصف المدير العام لهذه المنظمة بأنه عمل على تسييس نشاطاتها ، وقد أصبح من الثابت أن الضغوط الأمريكية هي التي أجبرت ، السيد أحمد مختار آمبو على مغادرة منصبه في هذه المنظمة ، لأنه حاول أن يكون لليونيسكو وجهة نظر في الجرائم والانتهاكات التي ثبت مسئولية الكيان الصهيوني عليها ، فيما يتعلق بتدمير الهوية الثقافية الفلسطينية ، وحالات الاعتداء الصارخة على حقوق الإنسان ، وانتشار المظالم والانتهاكات المنافية لميثاق الأمم المتحدة ودستور اليونيسكو .

4- فرضت اللجنة على الولايات المتحدة تقديم المساعدات المالية للمهاجرين اليهود من الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية ، على أن تحصل إسرائيل مباشرة على 80% من قيمة تلك المساعدات .

5- أدى ضغط الإيباك إلى قيام السناتور إبراهام بيكلوف بتعديل الضرائب لعام 1976 ، بحيث يتم معاقبة الشركات الأمريكية التي استجابت للمطالب العربية بمقاطعة إسرائيل، وحرمان تلك الشركات من بعض الإعفاءات الضريبية على دخلها من عمليات تجارية خارج أمريكا .

6- نجحت في حث الكونغرس الأمريكي على زيادة المعونة العسكرية والاقتصادية لإسرائيل بعد غزوها للبنان في العام 1982 ، رغم المذابح التي استاء لها الرأي العام الأمريكي ، وذلك يعني أن الإدارة الأمريكية رضخت للتسليم بدعم المعتدي وتشجيع الظالم وتقديم السكين للجزار ، لكي يواصل سفك دماء الشيوخ والأطفال والنساء من ضحاياه ، ومع ذلك يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ويطلبون لسفاراتهم عن الحرية والنظام العالمي الجديد !!! .

7- نجحت اللجنة في حث الحزب الديمقراطي على نقل سفارتهم من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيلية رغم المعارضة السابقة لها(59) .

إن هذا العرض الذي تم تقديمه يبين إلى أي مدى يؤثر اللوبي اليهودي على السياسة الأمريكية ، بل على الهيئات السياسية والعلمية في الولايات المتحدة ، فهذه الشهادات تبين بشكل كبير أن يد جماعات الضغط واضحة في تأثيرها على الحياة الأمريكية ، ولكن السؤال هل يؤثر اللوبي اليهودي على وسائل الإعلام الأمريكية التي تشكل الرأي العام الداخلي والعالمي ؟ وإلى أي مدى يتضح هذا التأثير ؟ .


ثانيا : اللوبي الصهيوني والصحافة الأمريكية

هنري فورد المليونير العالمي اليهودي أشار في كتابه اليهودي العالمي مقتبس من بروتوكولات بني صهيون " سنعالج قضية الصحافة على النحو التالي :

1- سنمتطي صهوتها ، ونكبح جماحها ، وسنفعل مثل ذلك أيضا بالنسبة إلى المواد المطبوعة الأخرى ، إذ لا جدوى من تخلصنا من الحملات الصحفية ، إذا كنا معرضين للنقد عن طريق المنشورات والكتب .

2- لن يصل أي إعلان للناس إلا بعد مراقبتنا ، وقد تمكنا من تحقيق ذلك الآن إلى الحد الذي لا تصل فيه الأنباء إلا عبر الوكالات المختلفة والمتمركزة في مختلف أنحاء العالم .

فالأدب والصحافة قوتان تعليميتان كبيرتان ، وستصبح حكومتان مالكة لمعظم الصحف والمجلات … وإذا سمحنا بظهور عشر مجلات مستقلة ، فيجب أن تكون لنا ثلاثون صحيفة مقابلها ، ولن نجعل الناس يشكون في سيطرتنا على هذه الصحف ، ولذا سنجعلها من النوع الذي يناقض بعضه بعضا في الأفكار والاتجاهات لنحصل على ثقتهم ، ولنجتذب خصومنا الذين لا يتطرق إليهم الشك في قراءتها ، فيقعون في الشرك الذي نصبه لهم ، ويفقدون كل قوة على الإضرار بنا "(60) إن أهم ما دافع اللوبي الصهيوني أو ما اسماه الفرد ليلنتال " الرباط الصهيوني " هو كما يراه كثيرون من المراقبين الهيمنة اليهودية على وسائل الإعلام ، فمن المعروف " أن تكوين الرأي العام الأمريكي يتأثر بحفنة من الصحف القوية منها النيويورك تايمز ، والواشنطن بوست ، سانت لويس بوست ، ديسمباتش ، والتي يملكها اليهود وفي هذا الصدد فاليهودي والترانبيرغ الذي كان سفير نيكسون في بريطانيا ، كان يملك فلادلفيا انكويريد ، ورينبغ تليغراف سافتنين ، والدليل التلفازي ، الذي يقدر دخله من الإعلانات وحدها 55 مليون دولار، وكذلك عددا من المحطات المرئية . واليهودي صموئيل تيوهزر يملك 45 صحيفة منها النيوز داي ذات النفوذ في نيويورك ومجموعة من المجلات غلايمور ، مداموزيل ، وهوس غاردن"(61).

أما الصحف الأخرى التي لا يملكها اليهود نجد محررين ومدراء ورؤساء إعلانات رئيسيين من اليهود ، في جميع المجالات القيادية نجد يهوديا في مناصب رئيسية كناشرين ومحررين ، محررين مدراء وهؤلاء يمارسون على الأقل حق النقض VETO حول كل ما يصدر في منشوراتهم من أحد يقدم على نقد اليهود خوفا من الإساءة إلى رئيسه الذي قد يطرده من عمله ، ثم هناك حذرا من خسارة الصحافة للإعلانات الحيوية بالنسبة إليها ، والذي يحول مفهوم حرية الصحافة الأمريكية إلى عبارة ساخرة(62) . ويضيف نديم البيطار أن الضغط اليهودي الأساسي على ما يكتبه الصحافيون لا يأتي من ملكية يهودية للصحيفة ، ولكن من هيئات ورئاسات التحرير على جميع المستويات ، فعندما قامت الحملة الصحفية حول اللواء بروان رئيس هيئة الأركان ، الذي اتهم في خطاب ألقاه في جامعة دوك اليهودية بأنهم يمارسون نفوذا غير طبيعي عن طريق ملكيتهم للصحافة ، وأعلن أن اليهود يملكون نسبة ضئيلة 3.1% من الصحف اليومية ، ولكن العنصر الحاسم كان دائما سيادة الصحف وليس ملكيتها(63)، فالضغط والخوف هما اللذان يتحكمان في وسائل الإعلام الأمريكية ، وقد صدر بيان على الكونغرس اليهودي الأمريكي Ajangress جاء فيه " أن وسائل الإعلام الجماهيرية تبناه المجلس القومي الحاكم في 6/3/1983 ، وذلك لرد على التغطية غير الدقيقة والمنحازة هي تحد كبير ولكنها أمر خطر في معركة للدفاع عن أمن ورخاء إسرائيل واليهود في كل مكان "(64) ومن توصيات الكونغرس التي وردت في هذا البيان :

1- اجتذاب ناشرين ومحررين وتنفيذيين في وسائل الإعلام الأخرى خلال الفترات التي تخلو من الأزمات ، فهذا يوفر الفرصة لتزويدهم بخلفيات واسعة ويتيح الوصول إليهم في أوقات الأزمات .

2- عندما تقع أخطاء سهوا أو عمدا ألفت نظر المراسلين المحررين إليها في أسرع وقت ممكن ، لا تنتظر حتى يفقد الأمر قيمته ، ويجب توثيق التهم بعدم الدقة .

3- استخدام الرسائل للمحرر كوسيلة أولى لتصحيح أخطاء الصحف ، فزاوية الرسائل هي التي يقبل عليها القراء أكثر من غيرها .

4- يجب إصدار البيانات إلى الصحافة المكتوبة ، فمن شأن هذا أن ينقص مجانية الصواب، ويؤكد أن المعلومات المقدمة هي في إطارها الصحيح .

5- أسس أنظمة قومية ومحلية للرصد ولفت نظر أعضاء الطائفة اليهودية إلى أهمية مثل هذا النشاط ، بإعداد القوى الفعالة الجاهزة من أجل تحقيق الهدف .

6- لما كان الرصد الفعال يتطلب مدققين مطلعين وجب على المنظمات اليهودية ، أن تستخدم نشرات إخبارية ، وخطوطا مارة ، وتصريحات صحفية ، لا كمال المادة المتوافرة لدى اليهود في الصحف اليهودية المحلية الصادرة بالإنكليزية .

7- اللجوء إلى الإعلان عندما تكون الرسائل المراد نشرها هامة ، وتفشل كل المحاولات في نشرها(65) .

فالصحافة هي المهنة التي يستطيع اليهود في غالب الأحيان وبأكبر قدر من البيان أن يجاهروا بانتقاد إسرائيل ويعد ريتشادر كوهين من الواشنطن بوست مثالا بارزا لهؤلاء ، فخلال اجتياح إسرائيل للبنان 1982 حذر كوهين بقوله " إن الإدارة الأمريكية تستطيع أن تبعث برسالة إلى بيغن ، فتقول فيها إن ليس له اعتماد مفتوح من أمريكا ، فإننا لا نوافق على قصف الأبرياء "(66) . وفي عدد لاحق من صحيفة الواشنطن بوست لخص كوهين رد الفعل على انتقاده لسياسة إسرائيل " أصبح هاتفي في هذه الأيام أداة لتدريب، ومحاولة الرد كما أن البريد أصبح سيئا ، فالرسائل خبيثة وبعضها شخصي(67)، ويرى نديم البيطار أن أهم نفوذ تمارسه الطبقة العليا على الصحافة هو النوع الغير المباشر عن طريق إعلانات الشركات ، فالصحف والمجلات أعمال صناعية ومالية الغرض منها الربح ، ولكن جزء بسيط من دخلها يأتي من القراء ، وقد عانت النيويورك تايمز التي أسسها أدولف أولى وصهره ارندسولذبيرغر من محاولة أن تبقى الصحيفة منبرا حرا وتقدميا ، ولكن الضغط اليهودي على الصحيفة جعلها تستسلم ، ويعلن رئيس تحريرها سولزبيرغ في عام 1944 "إنني أكره أساليب الصهاينة التعسفية الذين لا يترددون في استخدام الأساليب الاقتصادية في إسكات الذين يعبرون عن وجهات نظر مختلفة ، إنني اعترض على محاولاتهم في قتل سمعة الذين لا يتفقون معها "(68) .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:40 pm

وتجدر الإشارة إلى أنه أثناء حرب أكتوبر هاجمت الصحف الأمريكية الهجوم العربي على إسرائيل ، صحيفة كرستيان ساينس مونيتر كانت الصحيفة الوحيدة التي نبهت إلى أن "الصراع كان حول أراضي عربية يحتلها الإسرائيليون "(69) يمكن القول أنه ليس هناك لوبي آخر استطاع أن يفرض رسائل ملغومة بالمعاني ، مفروضة كشيء موضوعي كما استطاع اللوبي الصهيوني فعندما نقرأ أن الصحف الأمريكية تصف السوريين والمصريين بأنهم قاموا بغزو إسرائيل وأن الإرهابيين الفلسطينيين هاجموا إسرائيل بينما الكوماندوس الإسرائيلي ضرب بيروت فما عليك إلا الاعتراف بقوة هذا اللوبي ، ويؤكد على هذه الرؤية البروفيسور أدوار هيرمان وهو يهودي غير صهيوني ، كتب في مجلة فرنسية يهودية مقالات بعنوان " حدود الحوار المسموح به في الولايات المتحدة حول المسألة الإسرائيلية " وخلص فيه إلى القول بأن : " المجلة الليبرالية الوحيدة والتي كانت مستعدة لأن تنشر مواد ليست ملائمة لإسرائيل كانت رامبارتس Ramparts أنه يشير إلى بعض المجلات التي يمتلكها اليهود مثل كنتيري ، ويسينت ونيو ويبيليك ويعلق بأن هذه المجلات تمتنع تماما على أي حوار أو أي مقال لا يلائم مصلحة إسرائيل ، وأشار أن كتابات نعوم شوسكي الفرد لينتنال مفكرين اليهود ، والذين ينتقد إسرائيل تعطي مقالاتهم إلى ذوي التزام صهيوني لمراجعتها ، إذ يكتب مقاله مصحوب بعبارة " إنه من المناصرين القدماء لقضية العرب "(70) وتقدم هنا بعض الكتاب والصحفيين الذين كتب ضد التجاوزات الإسرائيلية ، وكيف تعامل معهم اللوبي الإسرائيلي ومع مؤسساتهم الصحفية .

تحدث المحامي كلوتزتيك وزير الاقتصاد السابق والرئيس السابق لمنظمة بنت بئرى والمنظم الرئيسي السابق للمؤتمر المنظمات اليهودية العالمية في صحيفة لوس أنجلوس تايمز "إن على إدارة الرئيس ريغان أن تواجه الحقائق في الشرق الأوسط بمثل جرأة إدارة كارتر ، وأول خطوة هي وقف الحرب في لبنان فورا ، وسحب القوات الإسرائيلية على أن يتبع ذلك عملية سلام مؤسسة تشمل جميع الأطراف وبدون اعتذار ، ويقدم تصميم أمريكا ومراعاة أفضل مصالحها ، ودعم رفاهية إسرائيل الطويلة الأجل وحماية السلام العالمي(71) ورد على كلوتزتيك نددت القيادات اليهودية علانية به ، حيث قال اجون روزن مدير رابطة مكافحة الافتراء في شيكاغوا " إن اقتراح الكلوتزتيك بإدخال منظمة التحرير الفلسطينية في عملية سلام ، وإنشاء دولة فلسطينية . وانظم إليه روبرت شربار من إيباك يعني تفاوض إسرائيل على دمارها "(72) .

ونشرت فيار انسيت ريبورت وهي نشرة إخبارية أسبوعية مقالا افتتاحيا ضد آراء كلوتزتيك واتهم بترويج الإشاعات المضللة والخبيثة " الأمر الذي دفع كلوتزتيك إلى نقل نشاطه إلى باريس(73) . وقد عانى الصحفي اليهودي أ.ف. ستون من آرائه ومواقفه الاستقلالية ، فقد كتب في الواشنطن بوست مقالا أعرب فيه عن تخوفه من دبلوماسية الثورة ولاسيما محاولة الاستشهاد بالتوراة ، وتبرير سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية ، فليس تمت من يجهل أن التوراة في القرون الوسطى كانت تحفظ بالكهنة لإبقائها بعيدة عن الجماهير ، لئلا تشوش أفكارهم ، ويكون بينهم شقاق وفتنة . فقد يكون الوقت قد حان لحفظ الكتاب المقدس من ضرر جديد على الأقل ، إلى أن ينتهي النزاع العربي الإسرائيلي "(74) ، وقد عبر اللوبي الإسرائيلي عن استياءه من هذه الآراء .

الفرد ليلتنال يهودي كرس حياته لحملة منفردة بجدلية مرهقة بقصد تغيير سياسات دولة إسرائيل ، حيث بدأ حملة عامة 1948 بالرغم أنه بلغ السبعين من العمر فإنه حتى سنة 1984 لم يتخل عن موقفه ، وقد نشر مقالا في مجلة ريدا دجست عام 1949 بعنوان " راية إسرائيل ليست رايتي " ، " حذر فيه من عواقب الصهيونية ثم اتبع ذلك بكتابه " ثمن إسرائيل " 1953 ثم كتاب آخر بعنوان " اتجاه الشرق الأوسط " 1957 وكتاب ثالث عنوانه " الوجه الآخر للعملة " 1965 ومن عام 1977 نشر ليلنتال اضخم وأشمل مؤلفاته وهو " الصلة الصهيونية " الذي يركز على تطور الحركة الصهيونية ونشاطاتها في الولايات المتحدة ، وقد أفعم الكتاب بالحقائق والمقتبسات والنوادر ، وتتخلله آراء وتفسيرات مختلفة "(75) . وفي عام 1984 نقلته حملته إلى الشرق الأوسط 22 مرة ، وعبر الولايات المتحدة 26 مرة ، وقد سببت له معارضته للصهيونية مضايقات في حياته الشخصية إذ أدت إلى فسخ خطوبته وإلى نفور أقرباءه منه وقد رد على فريق من حاخامات في نيويورك حرصه رسميا على الدين من الذين بقوله : " الله وحده هو الذي يحرم، فمازالت أشعر حقا أنني يهودي(76) .

ويلاحظ الباحث أدموندغريب الذي كتب الشيء الكثير عن الشرق الأوسط ووسائل الإعلام الأمريكية " إن هذه الوسائل ترسم صورة مشرقة لإسرائيل، وكأنها دولة ديمقراطية في محيط برابرة في الشرق الأوسط ، ومن جهة أخرى غالبا ما يقال عن الشرق الأوسط الفلسطينيون والإرهابيون العرب " ويصور العربي كحاوي أو سفاح ، ويوافق الصحفي لورانس مؤشر على أنهم اتخذوا للعربي صورة شخص مقيت له ميول سوداء، وكرموا الإسرائيلي بتصويره بطلا(77) . وتأكيدا لما طرح فقد نشرت مجلة التايم إعلانا بأربعة ألوان على صورة شيخ عربي تحت كلمة واحدة هي القوة ( power ) وصف الصحفي ريتشارد بدوريك الشيخ بأنه يمثل كل ما يتصوره عن عربي شرير يرتدي اللباس السعودي التقليدي، ويحدق في الكاميرا بحقد واضح(78) ويقول الصحفي هارولد .ر. يايتي الكاتب في صحيفة ميدل ايست جورنال حجة اللاسامية ، هي العصا التي يستعملها الصهاينة لحمل غير اليهود على قبول وجهات النظر الصهيونية ، بشأن الأحداث العالمية أو على التزام الصمت ، ونشرت ميدل ايست في عدد خاص مقالا لنفس الكاتب تحت اسم مستعار عن " الصهيونية والصحافة الأمريكية حيث انتقد فيه المغالطات والتشويهات ، وربما ما أسوء من ذلك إغفال وسائل الإعلام الأمريكية غير المبرر لبعض الحقائق الهامة والمعلومات الأساسية في النزاع العربي - الإسرائيلي(79) .

ويعزو غريب هذا العيب في تغطية الإعلام الأمريكي للشرق الأوسط " نجحت جهود اللوبي الإسرائيلي في السيطرة على وسائل الإعلام بشن حملات لترويع وسائل الإعلام المختلفة، وأخيرا لفرض الرقابة حتى أصبحت هذه الوسائل مطيعة وجبانة ، ومن هذه الوسائل تهديد بمقاطعة المنظمة ، والافتراءات ، وحملات التشهير الشخصية ، كلها أسلحة تستخدم ضد الصحفيين المنصفين(80) .

ولكن هارولد بايتي استفاد من خبرته وألقى اللوم كله على الصحفيين، وليس على ضغط اللوبي الإسرائيلي ، لأن الصحفيين يذعنون أكثر رغم معرفتهم للحقيقة(81)، ومن أشد الحملات التي وجهت صحيفة جورنال هيراليد التي يعمل فيها هارولد بابتي باهاويو - لأن اهتمامه أصبح متزايدا بقضية الشرق الأوسط ، وكتب افتتاحيات ينتقد فيها السياسات الإسرائيلية فقد تلقى رئيس التحرير رسالة مطولة سلمت له من رئيس مجلس الجالية اليهودية المحلية ، وقام ستة زعماء يهود بمقابلة رئيس التحرير في الصحيفة بعد أن كتب هارولد على أعمال الشغب والعنف في الضفة الغربية عام 1976 ، وقد أقره بأن لا يعود للكتابة في هذا الموضوع ، وقد عاود هارولد الكتابة في الذكرى السنوية لمذبحة دير ياسين التي قتل فيها 200 فلسطيني في 4 أبريل 1977 ، وأقاله رئيس التحرير لأنه تلقى تعليمات من المفروض أن تكون من إدارة المؤسسة ، بأن أسد فمك أو أطردك(82)، وقد هدد هارولد بأنه لن ينال الترقية الموعودة إلى محرر صفحة الافتتاحيات في جورنال هيراليد ، وإزاء هذه الضغوط ترك هارولد الوظيفة ، واسكت صوت آخر مناهضة لليهود في أمريكا ، وخلال صيف 1982 خصص ريتشارد بدرودريك الصحفي في مينا بولس عدة حلقات من زاوية الأسبوعية رقيب الإعلام ، لفضح عدم موضوعية الإعلام الأمريكي في تغطيته للاجتياح الإسرائيلي ، ومن جملة ما كشف عنه " إذ بث على الهواء مرارا وتكرارا أشرطة على أنها من مخبأ ياسر عرفات ، ومقر منظمة التحرير الذي نسف فيما بقي شريط من إصابات المدنيين في غرفة التحرير ، وفيما كانت القوات البرية الإسرائيلية تجتاح جنوب لبنان ، واصلت الصحافة الأمريكية بفعل الضغط الموجه من اليهود على استعمال عبارة تدخل لوصف ما هو غزو بالمعنى الصحيح(83)، ومن العواقب التي عانى منها الصحفيون الذين نشروها كانت أكثر ازعاجا وحالما أطلقت مؤسسة توزيع الأفلام السينمائية في مينابولس ، والتي هي من أكبر مصادر المنفردة للإعلان ، وردت على ما جاء في زاوية رقيب الإعلام عن إسرائيل ، حيث اتصلوا برئيس التحرير ديب هوب وهددته بسحب إعلاناتها نهائيا بسبب زاوية برود ريك ، وقد أذعن رئيس التحرير ووافق على أن ينشر ردا من ألف كلمة ردا على ماورد في الزاوية المذكورة ، وخلافا لسياسة الصحيفة المعتادة لم يسمح لبرودريك بأن يرد على الرد ، وبعد ثلاث اسابيع أبلغ برود ريك بأن الصحيفة لم تعد بحاجة إلى خدماته(84) .

في أواخر 1983 أجرت الصحيفة الأمريكية المختصة في شئون الشرق الأوسط مقابلة مع شابة فلسطينية إسمها أمل كانت تعمل مساعدة لنائب القنصل الأمريكي ، وعند زيارة الصحيفة للقدس التقت أمل وأجرت معها حديث بصفتها مراسلة تلفزيونية ، وقد وافق نائب القنصل الأمريكي في القدس الشرقية ولكن أمل طردت من وظيفتها وعلقت " لقد طردت لأنهم ظنوا أنني من غلاة الفلسطينيين ، ولكنني لم أقل ردا على إحدى الأسئلة سوى أن عائلتي كانت تسكن في بيت يسكنه الآن إسرائيليون "(85) .

أما الصحفي الأمريكي كوكبرن لاحظ في زاويته " صوت الغربة " كيف أن محرري النيويورك تايمز شطبو كلمة عشوائي من تقرير مراسلهم في الخارج توماس فريدمان بتاريخ 3/8/1982 عند القصف الإسرائيلي لبيروت ، فكان هذا العمل خرقا لسياسة النيويورك تايمز المعهودة بعث بعد ذلك فريد مان برقية مطولة يعرف فيها عن انزعاجه قائلا " أنا مراسل في غاية الحذر ولا ابالغ في الأمور ، … أنتم تعلمون أنني على حق وأن الكلمة تؤكدها الأنباء التي ذكرتها ، ولكن لم يكن لديكم الجرأة على طباعتها في النيويورك تايمز ، كنتم تخافون أن تقولوا لقرائكم والذين قد يحتجون عليكم ، إن إسرائيل قادرة على أن تقصف مدينة برمتها قصفا عشوائيا"(86) .

ومن أكثر الحالات التي ظهر فيه تأثير اللوبي الصهيوني على الصحف الأمريكية ، فقد نشرت صحيفة الواشنطن بوست عددا من المقالات حول الإسرائيليين بخصوص مذبحة صبرا وشاتيلا أدت إلى اتخاذ قرار لم يسبق له مثيل ، وذلك بتعيين ممثل لجماعة مؤيدة لإسرائيل كمراقب في غرفة الأخبار في الواشنطن بوست ، ويرى بول فندلى أن الفكرة بدأت عندما اجتمع مايكل بير فيوم المدير التنفيذي لمجلس الجالية اليهودية وهايما لديو كيانير ممثل اللجنة اليهودية - الأمريكية في المنطقة مع محرري صحيفة الواشنطن بوست ، ليقولوا لهم أن ثمة مشكلة يهودية مع الصحيفة ، وجاء هذا الاجتماع عقب مراسلات كثيرة بين الصحيفة وزعماء الطوائف الدينية(87)، وقد وافق المحرر التنفيذي بنجامين . س . برادلي على أن يراقب بيرفيوم عمليات الأخبار لمدة أسبوع واحد شرط أن لا يلجأ هو أو اللوبي إلى الضغط أو التدخل في عملية التحرير بأي شكل من الأشكال(88) .

وفي تعليق على هذه البادرة الخطيرة التي تمس حرية ومصداقية الصحافة الأمريكية رد روبرت . ج . ماكلوس المحقق في الشكاوي التي ترد على الواشنطن بوست فقال : " أسبوع المراقبة تجربة جديرة بالاهتمام ، وأضاف صحيح أنها غير طبيعية ولكن القصف الذي تتعرض له الصحف غير طبيعي "(89) ونتيجة لهذا التدبير خفف انتقادات الجالية اليهودية إلى حد ما ، في الجانب الآخر انتقد محرر صحف أخرى هذه البادرة وقد علق توماس دينشيب محرر في صحيفة ( البوسطن غلوب ) بقوله : "أدرك الضغوط التي تعرضت لها الواشنطن بوست من جانب مجلس الجالية اليهودية والتعاطف مع ما فعلته ولكن آمل ألا أحذوا حذوها "(90) وتساءل روبرت كمبسون محرر الأنباء الخارجية في لوس أنجلوس تايمز عن عدم الإنصاف في قرار الواشنطن بوست وقال " في الحقيقة لا أدري كيف يمكن عمل هذا الشيء لليهود وإنكاره على العرب " إن هذا دليل واضح بشكل غير عادل على محاولة إسرائيل وضع الصحافة الأمريكية في موقف الدفاع حمل صانعي الرأي العام على الاستماع إلى صوتها(91) .

إن الضرر الذي يلحق المؤسسات الصحافية الأمريكية من جراء الضغط اليهودي الممارس عليها ليس بخاف على أحد ، وأما الشيء الذي قد لا يكون واضحا فهو: لماذا ظهر اللوبي إلى الوجود ؟ ولماذا يلاحق أهدافه بمثل هذا الحماس ؟ يمكن إيجاز أساسه ودوافعه بكلمة واحدة فقط هي الخوف .

وتأسيسا على ما سبق فإن جماعات الضغط لا تمارس دورها في الضغط على المؤسسات الإعلامية بشكل فج أو مباشر ، إلا فيما ندر بل على العكس فهي تلجأ إلى خلق صورة نمطية عن العرب ، واليهود من خلال الصحف على جميع المستويات .

ومن استخدام الأشكال التحريرية بداية من الخبر إلى الرسوم الساخرة فنلاحظ أن الصور النمطية لليهود متمثلة في صورة المضطهد المطارد المحب للحياة العائلية ، وهو ليبرالي مدافع عن حقوق الأقليات ، والمنادي بالمساواة ، والمؤمن بالديمقراطية ، أما العربي فهو همجي إرهابي لا يتفاهم إلا بالسلاح ، قليل الوفاء متخلف متعصب ، لا يؤمن بالديمقراطية ، ولا يتعاطف مع قيم التسامح والمشاركة أو على النقيض ، من ذلك فهو الشيخ الذي جمع ما له عن طريق رفع أسعار النفط والمبذر لهذه الأموال بحثا عن الملذات ، وهو يتميز بانعدام الذوق(92) . ولا عجب أن يتعاطف الأمريكي العادي مع اليهودي وتبعا لهذه الصفات التي تعمل على ترسيخها الآلة الصحافية الأمريكية اليومية الرهيبة ، ولا يتوقف نشاط جماعات الضغط عند هذا الحد بل إنها تعمل على مراقبة نشاط السياسيين وصانعي الرأي ، وهم معرضون لردع في حالة خروجهم عن الخط المؤيد لإسرائيل ، فلن يجد أي صحفي مكانا مناسبا لمقال أو قصه إخبارية ضد اليهود في أي صحيفة ، وحتى إن وجدت فهو معرض للاعتذار أو الطرد التعسفي ، إرضاء لهذا اللوبي القوي . إن اللوبي يستخدم أسلوب كتابة وعرض يبين مدى الحاجة في التحكم بالصحافة في مخاطبة الرأي العام الأمريكي ، لقد بلغ التركيز على مصالح جماعات الضغط اليهودي في شهر أكتوبر 1983 ذروته فنجد صحيفة النيويورك تايمز تنشر صورة ياسر عرفات " السنة المقبلة في القدس" ثم تأتي القصة الإخبارية " صرح ياسر عرفات علانية أنه يود أن يرى شعب إسرائيل ، وقد محي عن سطح الأرض ، إن هذا التهديد ليس موجها نحو شعب إسرائيل فقط ، بل نحو أمريكا أيضا . إن إسرائيل أقوى حليف عسكري لنا في ذلك الجزء من العالم غير أن الروابط بين البلدين أعمق من ذلك " فإسرائيل هي المرحلة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وشعبها يشاركنا القيم والأهداف عينها(93) . فلو استخدمنا الطرائق التقنية لتحليل الرسائل الإعلامية في تحليل الأخبار ، فإننا سوف نجد أن المحرر لهذه القصة الإخبارية قد استخدم أسلوبين في معالجة الخبر ، أسلوب التوريط بالأفعال حيث اعتبر إسرائيل وأمريكا متورطين في مواجهة الإرهاب الفلسطيني ، وأسلوب غريزة القطيع باستخدام كلمة " محي " وكأنه يوحي بأن دافع منظمة التحرير الفلسطينية إرهابيا ، وسوف يطال أمريكا لذا يجب عليها أن تتحرك.(94)

ختاما نقول إذا تمكن لوبي من خنق حرية الكلام في الولايات المتحدة حول موضوع هام ومثير للجدل كالشرق الأوسط فإن حرية الكلام كلها أصبحت مهددة .

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:43 pm

حرب لبنان

وحتى الخطوات في هذه الاتجاهات سوف تخفف الأزمة المقبلة مع إيران، وفوق كل ذلك من المهم الالتفات إلى كلمات محمد البرادعي: «لا يوجد حل عسكري لهذه الحالة، ولا يمكن تصوره، والحل الدائم هو الحل عبر التفاوض».

وهذا أمر ممكن. في لبنان، ثمة هدنة هشة لا تزال سارية ـ رغم أنه يوجد منذ عقود طويلة سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وخصومها في حلقة تعود بانتظام إلى الحرب والمذابح والبؤس البشري.

دعونا نصف الأزمة الحالية كما هي عليه: غزو أميركي - إسرائيلي للبنان بذريعة ساخرة لشرعيتها. وفي خلفية الأحداث كما في الماضي يكمن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

هذه ليست المرة الأولى التي تغزو فيها إسرائيل لبنان للقضاء على تهديد مزعوم ولم يكن هنالك في جميع الأحوال ذريعة ذات مصداقية. وكان ذلك صحيحاً بشكل واضح لأهم الغزوات الإسرائيلية المدعومة أميركياً للبنان، في عام 1982.

فالتقارير والتعليقات في الولايات المتحدة تصف عادة الغزو على أنه رد على الإرهاب الفلسطيني، ضرب الجليل بالصواريخ وما إلى ذلك. إنه تلفيق واضح، لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية تلتزم بشكل صارم بوقف إطلاق النار الذي جاء بمبادرة أميركية رغم الهجمات الإسرائيلية المتكررة والدموية غالبا في لبنان في محاولة لانتزاع عمل من نوع ما يتخذ ذريعة للغزو المخطط له.

لم يكن هناك سوى ردين بسيطين تم الاعتراف بهما ثم قامت إسرائيل بالغزو بناء على ذريعة مفتعلة في يونيو 1982 بدعم من إدارة ريغان. وفي داخل إسرائيل، وعلى أعلى المستويات العسكرية والسياسية تم وصف الغزو الذي قتل نحو 15 - 20 ألف شخص وترك معظم البلاد مدمرة على أنه حرب من أجل الضفة الغربية. لقد تم تنفيذه لإنهاء الدعوات المزعجة لمنظمة التحرير الفلسطينية بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية.

لا انتقادات غربية

رغم الظروف العديدة المختلفة فإن حرب يوليو (2006) تقع في نمط مماثل وفي هذه الحالة كانت الذريعة أسر جنديين إسرائيليين في هجوم لحزب الله عبر الحدود. إن أقصى انتقاد غربي للغزو الأميركي الإسرائيلي المدمر هو أنه كان «غير متناسب»، غير أن رد الفعل كان سخرية بحتة.

لعدة عقود كانت إسرائيل تخطف وتقتل المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين في لبنان أو في أعالي البحار وتحتجزهم في إسرائيل لفترات طويلة، أحياناً كرهائن وأحياناً في غرف التعذيب السرية مثل المعسكر 1391.

لم تكن هنالك دعوات لغزو إسرائيل أو الولايات المتحدة التي تقدم الدعم اللازم لمثل تلك الأعمال. والأمر ذاته ينطبق على التصعيد الحاد للهجوم ضد غزة بعد أسر الجندي جلعاد شاليت في 25 يونيو 2006.

لقد اعترفت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالصدمة العميقة إزاء هذه الجريمة البشعة، ومع التحفظات الاعتيادية حول كيفية احتمال عدم ملاءمتها قدمت دعمها إلى رد الفعل الإسرائيلي المتوحش - على سبيل المثال تدمير محطة الطاقة لحرمان السكان من الكهرباء والماء والمجاري الصحية، وإلقاء القنابل الصوتية العادية ليلاً لإخافة الأطفال، والزيادة الحادة في قتل المدنيين والمزيد من ذلك مما يجعل الدولة «لا يمكن تمييزها عن منظمة إرهابية» عندما تحول ضحاياها العاجزين إلى «حديقة ذابلة مدمرة يلفها الحزن والمعاناة».

لقد كانت خدعة رد الفعل أكثر شفافية من المعتاد في هذه الحالة، فقبل يوم من اختطاف الجندي الإسرائيلي أي في 24 يونيو 2006 اختطفت إسرائيل مدنيين في غزة، هما الأخوة معمر، وهي جريمة اخطر بكثير من أسر جندي، وقادتهما إلى إسرائيل منتهكة مواثيق جنيف.

واختفى الاثنان في غياهب السجون الإسرائيلية المحتجز فيها قرابة ألف شخص دون أية تهم، وبناء عليه فهم مختطفون. لم يكن هنالك أي رد فعل في الغرب لعملية الاختطاف التي نفذتها إسرائيل في 24 يونيو، في الواقع بالكاد تلقت أي اهتمام.

فما الذي سيكسر الحلقة؟ إن الخطوط الأساسية لحل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني مألوفة ودعمها الإجماع الدولي العريض لمدة ثلاثين عاماً: تسوية الدولتين بناء على الحدود الدولية وربما مع بعض التغييرات البسيطة والمتبادلة.

لقد قبلت الدول العربية رسمياً هذا المقترح في 2002 وكذلك الفلسطينيون قبل ذلك بفترة طويلة. وأوضح زعيم حزب الله حسن نصر الله بقوله إنه على الرغم من أن هذا الحل ليس هو المفضل لحزب الله لكنهم لن يمزقوه. وأكد «الزعيم الأكبر» لإيران أية الله خامنئي مرة أخرى مؤخراً أن إيران أيضاً تدعم هذه التسوية.

وأشارت حماس بوضوح أنها على استعداد للتفاوض من أجل تسوية في ظل هذه الشروط أيضاً. وتواصل الولايات المتحدة وإسرائيل عرقلة هذه التسوية السياسية كما فعلتا منذ ثلاثين سنة، باستثناء فترات وجيزة وغير منطقية من الاستثناءات. قد يكون الرفض مفضلاً في الوطن ولكن الضحايا لا يتمتعون بهذا الترف.

لا يتمثل الرفض الأميركي - الإسرائيلي بالكلمات فقط، إنما الأكثر أهمية أنه بالأفعال أيضاً، فمع الدعم الأميركي الحاسم كانت إسرائيل تتابع بشكل منظم برنامجها للضم وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية المتقلصة، ومحاصرة ما تبقى بالاستيلاء على وادي الأردن ـ برنامج «التقارب» الذي أطلق عبارة «الانسحاب الشجاع» في الولايات المتحدة.

ونتيجة لذلك يواجه الفلسطينيون الدمار الوطني، بينما يأتي الدعم الأكثر منطقية للفلسطينيين من حزب الله الذي تأسس رداً على غزو 1982. لقد اكتسب حزب الله مكانة مهمة بقيادته الجهود لإجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان في 2000. وعلى غرار الحركات الإسلامية الأخرى بما فيها حماس، اكتسب حزب الله الدعم الشعبي بتقديم الخدمات الاجتماعية إلى الفقراء.

بالنسبة للمخططين الأميركيين والإسرائيليين يستتبع ذلك وجوب إضعاف حزب الله أو تدميره ـ تماما كما توجب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في عام 1982. لكن حزب الله متغلغل في المجتمع اللبناني بحيث لا يمكن القضاء عليه دون تدمير معظم لبنان أيضاً ـ وبناء عليه كان حجم الهجوم على سكان البلاد وبنيتها التحتية. وتمشياً مع النمط المألوف فإن العدوان يزيد بشكل حاد الدعم لحزب الله ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي إنما أيضاً في لبنان ذاتها.

ففي يوليو 2006، كشفت استطلاعات الرأي أن 87 في المئة من اللبنانيين يدعمون مقاومة حزب الله ضد الغزو بما فيهم 80 في المئة من المسيحيين والدروز. وحتى الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، بطريرك الكنيسة المارونية، والزعيم الروحي لمعظم القطاع المؤيد للغرب في لبنان، انضم إلى الزعماء السنة والشيعة في بيان يدين «العدوان» ويحيي «المقاومة، التي يقودها بشكل رئيسي حزب الله».

ووجد الاستطلاع أيضاً أن 90 في المئة من اللبنانيين يعتبرون الولايات المتحدة «كمتآمر في جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الشعب اللبناني».

نتائج مهمة

وعلق أحمد سعد غريب، العالم الأكاديمي البارز في لبنان حول حزب الله بان «هذه النتائج مهمة للغاية عند مقارنتها بنتائج استطلاع مماثل تم إجراؤه قبل خمسة أشهر فقط والذي أظهر أن نسبة 58 في المئة فقط من جميع اللبنانيين اعتقدوا أن لحزب الله الحق في البقاء مسلحاً وبناء عليه مواصلة نشاطه للمقاومة».

إن الديناميكيات مألوفة، فقد كتب رامي خوري، محرر صحيفة الديلي ستار اللبنانية بأن «اللبنانيين والفلسطينيين ردوا على الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والمتوحشة بشكل متزايد ضد كامل السكان المدنيين بخلق قيادات موازية أو بديلة يمكنها حمايتهم وتقديم الخدمات الأساسية لهم». مثل تلك القوى الشعبية ستكتسب القوة فقط وتصبح أكثر تشدداً إذا أصرت الولايات المتحدة وإسرائيل على هدم أية آمال للحقوق الوطنية الفلسطينية وعلى تدمير لبنان.

ليس سراً أن إسرائيل ساهمت في تدمير القومية العربية العلمانية وفي إيجاد حزب الله وحماس، تماماً مثلما عجل العنف الأميركي بصعود نجم الأصولية الإسلامية والحركات المتشددة. ومن شأن المغامرة الأخيرة أن تخلق أجيالاً جديدة من المتشددين الذين تلفهم المرارة والغضب، تماماً مثلما فعل غزو العراق.

علق الكاتب الإسرائيلي أوري أفنيري بأن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس، قائد سلاح الجو سابقاً، «يرى العالم في الأسفل من خلال منظار القناص«. والأمر ذاته ينطبق على رامسفيلد - تشيني - رايس والمخططين الكبار الآخرين في إدارة بوش. وكما يكشف التاريخ فإن هذه النظرة إلى العالم شائعة بين أولئك الذين يمارسون وسائل العنف.

إن المسألة الجوهرية ـ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ـ يمكن التعامل معها بدبلوماسية إذا تخلت الولايات المتحدة وإسرائيل عن التزاماتهما الرافضة. كما أن المشاكل المعلقة الأخرى في المنطقة قابلة أيضاً للتفاوض والدبلوماسية. ولا يمكن ضمان نجاحها ولكن يمكننا أن نكون واثقين بشكل منطقي من أن النظر إلى العالم من خلال منظار القناص سيجلب مزيداً من البؤس والمعاناة ويجر الويلات على المنطقة بأسرها.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:45 pm

• أمريكا اللاتينية تتحدى العولمة (1 -
3)
• --------------------------------------------------------------------------------
• بعد اكثر من نصف قرن من المعاناة مع الدكتاتورية العسكرية الفاسدة وارهاب الدولة، والالتزام الصارم بمبادئ الليبرالية الجديدة، التي فرضها “اجماع واشنطن”، مرت أمريكا اللاتينية بتغيرات بارزة تبشر بمستقبل أفضل. ومن أهم العلامات على ذلك، التحركات الجماهيرية التي ضمت الأغلبيات التي كانت تعاني في العادة القمع والتهميش في الحياة السياسية والاجتماعية في أمريكا اللاتينية.
• الكتاب الحالي: “ تقارير من أمريكا اللاتينية ، عن خطوط المواجهة مع الليبرالية الجديدة ”، يضم مجموعة كبيرة من المقالات ، التي تحلل هذه الحركة الجماهيرية ضد ممارسات الليبرالية الجديدة ، التي تمليها واشنطن ، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، والتي من أهمها خصخصة الخدمات العامة والموارد الطبيعية.
• محررا هذه المقالات هما : فيجاي براشاد ، الاستاذ ومدير الدراسات الدولية في كلية ترينيتي في مدينة هارتفورد في ولاية كونكتيكوت الأمريكية.. وتيو بالفي ، وهو محرر أخبار في مركز المصادر الخاصة بالأمريكتين ، ومحرر في شبكة ناركونيوز . ( الكتاب صادر عن دار ساوث اند بريس ) .
• فنزويلا هي كوبا الجديدة بالنسبة لواشنطن

• في مقالة عن فنرويلا، ورئيسها هوجو شافيز، ونضالهما ضد الليبرالية الجديدة، يتساءل تيو بالفي، أحد معدي الكتاب قائلاً: هل فنزويلا هي كوبا الجديدة؟ ويبادر الى الاجابة عن هذا السؤال بالإيجاب، ويضيف قائلاً: ان فنزويلا غدت الناطق الاقليمي الذي يعبّر عن المعارضة لواشنطن. وهي تمضي في محاولاتها توحيد القوى التقدمية في ذلك النصف من الكرة الأرضية، ضمن تحالف اقليمي سوف يتحدى التصوّر السائد لما يسمى “التعاون” بين دول أمريكا الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. كما تبرز الحكومة الفنزويلية كذلك، من بين دول أمريكا اللاتينية في محاولتها الهجومية لرفع المظالم الاجتماعية التاريخية التي لا تزال متفشية في المنطقة.
• ويتابع الكاتب قائلاً: ان فنزويلا الآن، هي محط أنظار صناع السياسة، والمثقفين، والأكاديميين، والصحافيين والناشطين على اختلاف مشاربهم السياسية، كما انها تثير النقاش الساخن في كل مجال، من حقوق الانسان، ومكافحة الامبريالية، الى الديمقراطية والاشتراكية. وقد حلت فنزويلا محل كوبا، باعتبارها المتغيّر الغالب في حسابات واشنطن الخاصة بسياستها الخارجية في أمريكا اللاتينية.
• وعلى المستوى الحكومي بالنسبة الى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، كانت كوبا فيما يتعلق بالحرب الباردة، كما هي فنزويلا الآن فيما يتعلق بالنموذج الحالي للمواجهة العالمية بشأن ايديولوجيات وممارسات الليبرالية الجديدة. ومثلما هي الحال مع كوبا، أثارت فنزويلا ولا تزال، ردود فعل عدائية من جانب واشنطن بسبب لعبها هذا الدور الفخري.
• مزاعم أمريكية

• ويذكر الكاتب قول وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندوليزا رايس، ان “أهم عامل في العلاقات الأمريكية الفنزويلية، هو تحديد النوعية التي سيكون عليها نصف الكرة الأرضية هذا. هل سيكون ديمقراطياً ومزدهراً، ويتعايش فيه الجيران معاً، دون ان يتدخل أحدهم في شؤون الآخر، ويحارب فيه الناس تجارة المخدرات ويحاربون الارهاب معاً بنشاط؟”.
• ولكن الكاتب يستبعد ان يكون “قلق” واشنطن على الديمقراطية هو أساس عدائها. وتاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية حافل بالأدلة التي توضح ذلك. كما ان سلوك ادارة بوش فيما يتعلق بالحرب على الارهاب، وتجارة المخدرات وازدهار الشعوب الأخرى، مملوء بالتناقضات، مما يستوجب استبعاد هذه “المخاوف” أيضا. وما يتبقى بعد ذلك، هو اتهام فنزويلا بالتدخل في شؤون الدول الأخرى.
• ويقول الكاتب ان المسؤولين الأمريكيين ظلوا يتهمون الحكومة الفنزويلية مراراً وتكراراً بدعم المتمردين الكولومبيين وتمويل حركة زارعي الكوكة (التي يستخرج منها الكوكايين”، ولكنه تم رفض هذه المزاعم بسبب افتقارها الى الدليل.
• وحقيقة ما تعنيه رايس من “تدخل” فنزويلا في الشؤون الاقليمية وهي التهمة التي غدت سمة لكل تعليقات وزارة الخارجية الأمريكية العلنية على فنزويلا - هو ما يوصف بصراحة أكبر باسم “النفوذ”.
• فقد ظلت كوبا على مدى عقود من الزمن تملك نفوذاً كبيراً في الأمريكتين، ولكن فنزويلا هي التي تحتل الآن مركز الصدارة في العلاقات ضمن هذا النصف من الكرة الأرضية.
• ومن هنا جاء وصف كوندوليزا رايس اثناء جلسة استماع مجلس الشيوخ لتثبيتها في منصبها، لفنزويلا بأنها “قوة سلبية في المنطقة”.
• ويضيف الكاتب ان أمريكا اللاتينية تقف برباطة جأش على مفترق تاريخي. وان الحكومات الميالة الى اليسار فيها، تقوم الآن بدمج قواها معاً في مواجهة تفريغ هذا النصف من الكرة الأرضية من مضمونه، بفعل السياسات العسكرية والاقتصادية المدعومة من قبل واشنطن.
• ويرى الكاتب ان اللحظة مواتية لإحداث تحوّل عميق في أمريكا اللاتينية، وان محاولة فنزويلا ان تكون رأس القاطرة التي تقود هذه العملية، تُخرج واشنطن (ووول ستريت) عن طورهما.
• ويعتقد الكاتب ان فنزويلا، قد لعبت دوراً بارزاً، ضمن مجتمع الحكومات الأمريكية اللاتينية، في رسم مسار مستقبلي للأمريكتين، وتتناغم كلمات هوجو شافيز، وأفعاله في كثير من الاحيان، مع الأمريكيين اللاتينيين الذين يكافحون في سبيل الهروب من الفقر، وعدم المساواة، والحرمان، ونير الهيمنة الليبرالية الجديدة.
• تكامل اقليمي لتحقيق السيادة الوطنية
• يرى الكاتب ان جهود شافيز، بالاضافة الى جهود الزعماء في الدول المجاورة، لخلق “كتلة مناهضة للهيمنة”، تنطوي على احتمالات حقيقية ملموسة تنأى بها عن الجعجعة الفارغة، وعلى الرغم من ان خطوات جوهرية نحو تكامل اقتصادي وسياسي اقليمي اكبر وأعمق، قد اتخذت بقيادة البرازيل، إلا ان طرح شافيز العاطفي المؤثر للتكامل تحت شعار مناهض الليبرالية الجديدة، هو الذي يوفر للعملية الدعم الواسع النطاق في المنطقة. وبمساعدة من البرازيل، سعى ايضا نحو ايجاد تعاون اقتصادي اقليمي مع دول آسيا، والصين بخاصة، في محاولة منه لتنويع محفظة بلاده التجارية والاستثمارية، التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. وبدلاً من ان يفهم مشاريع التكامل بين دول أمريكا اللاتينية باعتبارها طرقاً لا بد ان تفضي الى التنازل عن السيادة، فإنه يفهم التكامل الاقليمي، وبناء التكتلات، والتضامن بين الجنوب والجنوب، باعتبارها وسائل لتحقيق السيادة الوطنية وسط قوة أمريكية قاهرة.
• ولا يشك الكاتب في ان شافيز يحاول إحداث تحول برعاية الدولة في فنزويلا، ثم يمتد الى باقي الدول في ذلك النصف من الكرة الأرضية. وقد دعا الفنزويليين الى الانضمام اليه في بناء “اشتراكية للقرن الحادي والعشرين”، في مقابل اشتراكية كوبا على الأرجح. ولكن ما تنفذه الحكومة الفنزويلية في الظروف الحالية، يكاد يعادل في جذريته ما حققه كاسترو وثواره الملتحون في منطقة الكاريبي منذ أواخر خمسينات القرن الماضي. ففي كلتا الحالتين تركزت الجهود المباشرة على احتضان أغلبيات الشعب الفقيرة ذات البشرة الداكنة، والقضاء على سلطة النخبة بالتدريج.
• ويختم الكاتب مقالته بالقول، ان الكثير من المداد قد أريق في الكتابة عن “الثورة البوليفية” بقيادة شافيز، وعن سياساته وأفكاره وأسلوبه وبخاصة من قبل المشككين في “أهليته الديمقراطية”. ويبدو ان ركود المأزق الكوبي قد أفسح المجال لبوتقة جديدة للنقاش والانتقاد بشأن المسائل التي تتعلق بالعدالة الاجتماعية، ومكافحة الامبريالية، والليبرالية الجديدة، والاشتراكية، وتحرير نصف الكرة الغربي في نهاية المطاف.
• فرضية مايستو والخطط الفاشلة
• يتناول الكاتب الآثار والانعكاسات التي تتركها على صراعات أمريكا اللاتينية التقدمية، مقدرة الرئيس هوجو شافيز على تنفيذ اصلاحات مهمة في مواجهة العداء الأمريكي، والمعارضة المحلية العدائية المدعومة من الولايات المتحدة. ويلقي نجاح شافيز ظلال الشك على وجهة النظر التي تقول انه لم يعد بوسع دول أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي، ان تقاوم في عالم اليوم الذي تسوده الامبريالية العالمية، نظام “السوق الحرة” الليبرالي الجديد.
• ويقول الكاتب ان الاشتراكات والقيود الحالية، المبنية على السوق، والتي تفرضها جميع المساعدات الاقتصادية (بما فيها الاعفاءات من الديون)، من الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة، قد تعزز وجهة النظر التي تقول انه “لا بديل عن” سياسات السوق الحرة، كما قالت مارجريت تاتشر ذات يوم. ولكن ممارسات شافيز تخالف قول تاتشر المأثور، وتثير التساؤل عن مدى امكانية تطبيق النهج الفنزويلي في الدول الأخرى في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. وقد تضمن صعود حكومات يسار الوسط في السنوات الاخيرة، في الارجنتين والبرازيل وأرجواي، الى سدة السلطة، جزءاً كبيراً من الجواب عن هذا السؤال.
• ومنذ البداية، كما يقول الكاتب، كان هدف شافيز الاساسي تحقيق سلطة الدولة والاحتفاظ بها، من أجل احداث التغيير الجذري. ومن أجل هذا الغرض أسس أكبر حزب سياسي في البلاد هو (حركة الجمهورية الخامسة)، الذي حكم منذ سنة 1998 بالتحالف مع الاحزاب اليسارية الأصغر.
• ويرى الكاتب ان الزخم الراديكالي الذي تتسم به اعمال شافيز منذ فوزه الانتخابي الأولي سنة 1998 يتجاوز أسلوبه وخطابه. وبالفعل، فإن العديد من اصلاحاته وأعماله، قد قوض المصالح الاقتصادية لجماعات فنزويلية واخرى تتجاوز حدود فنزويلا، وعلى سبيل المثال وضعت الحكومة حدا للخطط التي كان قد رسمها اسلاف شافيز من اللبراليين الحدد، من أجل خصخصة الضمان الاجتماعي، وصناعة الالومنيوم، وصناعة النفط الفائقة الأهمية.
• وتراعي مخصصات الحكومة مصلحة الفقراء، إذ زادت بنسبة كبيرة الميزانية الوطنية المخصصة للتعليم، والصحة، والتوظيف، كما زادت الأموال المخصصة للمشاريع الصغيرة. وعلاوة على ذلك ساعد دور شافيز النشط خلال سنواته الأولى في الحكم، منظمة أوبك على إعادة اسعار النفط الى المستويات التي كانت عندها في سبعينات القرن الماضي، كما ان “لجنة التدخل” التي شكلها شافيز منذ أوائل سنة 2005 لمراجعة مدى شرعية اعمال الأراضي الزراعية، تهدد كبار ملاك الأراضي بفقدان ممتلكاتهم.
• ويقول المؤلف ان رد الولايات المتحدة على شافيز بعد انتخابه سنة 1998 كان منسجما مع الرأي الشائع الذي يقول ان شافيز لا بد له في نهاية المطاف من ان يغير رأيه ويرضح لتطبيق السياسات اللبرالية الجديدة. وقد أيد السفير الامريكي في فنزويلا، جون مايستو يومئذ اتباع نهج لين مع شافيز، ونجح في اقناع وزارة الخارجية الامريكية بالحكم على شافيز من خلال افعاله، الأمر الذي ينطوي على ان خطابه الراديكالي لن يسفر عن شيء، وبدت فرضية مايستو معقولة في حينه.
• وقد ركز شافيز جهوده خلال السنتين الأوليين من حكمه، على الاصلاحات السياسية. ولكن الحكومة الفنزويلية اقرت سنة 2001 تشريعا ذا محتوى اجتماعي اقتصادي كبير، ويتضمن اصلاحا يتعلق بإعادة توزيع الاراضي، وقانونا يضمن حصول الدولة على اغلبية ملكية جميع عمليات صناعة النفط. وقد تزامن ميل الحكومة الفنزويلية الى الراديكالية مع بداية ادارة بوش، وتصلب مواقف واشنطن الدولية في اعقاب احداث 11/9. وقد شجعت التطورات في الولايات المتحدة المعارضة الفنزويلية فأخذت تدعي ان أيام شافيز في الرئاسة غدت معدودة.
• وقد يكون ايمان المعارضة بمقولة تاتشر بشأن حتمية اللبرالية الجديدة، قد أثر على زعماء المعارضة وجعلهم يستهينون بشافيز مما كان له نتائج مدمرة عليهم. وقد ترجم هذا الخطأ في الحسابات الى خطط مختلفة فاشلة للاطاحة بشافيز من دون وجود أي خطط للتراجع.
• وفي سنة 2002 اخذت مواقف الولايات المتحدة نحو شافيز تتوافق مع مواقف احزاب المعارضة التقليدية، التي ظلت متصلبة طوال الوقت. ولم يكن دعم ادارة بوش للانقلاب العسكري الذي لم يدم طويلا ضد شافيز في ابريل/نيسان ،2002 وتأييدها للاضراب العام الذي دام عشرة اسابيع في وقت لاحق من ذلك العام، وكان عقيما بالقدر ذاته، ومحاولة ادارة بوش اللاحقة لعزل فنزويلا عن جيرانها، مجرد ردود فعل على اصلاحات معينة تهدد المصالح الاقتصادية. بل ان واشنطن كانت تخشى ان تصبح فنزويلا مثالا يحتذى في بقية دول القارة.
• قلق في واشنطن

• يشير الكاتب الى ان تأثير شافيز في نصف الكرة الأرضية هذا، واضح ملموس على المستويين الشعبي والدبلوماسي. فقد غدا بطلا في نظر ملايين الامريكيين اللاتينيين الذين لا يتمتعون بأي امتيازات، والذين اعجبتهم شجاعته ونجاحاته السياسية، وقد استجاب بعض الناشطين والزعماء بطريقة مماثلة. وخلافا لرد الفعل المشوش الذي قوبل به خطاب “لولا” في المنتدى الاجتماعي الدولي الذي عقد في بورتو اليجري، البرازيل، سنة ،2005 قوبل شافيز بتصفيق مدو، وقد أكد شافيز التزامه بكفاح الناس العاديين عندما خاطب الحضور قائلا: “لست موجودا هنا باعتباري رئيس فنزويلا، فوجودي في الرئاسة مرهون بظروف معينة، ولكني هنا باعتباري هوجو شافيز الناشط والثوري”.
• على الصعيد الدبلوماسي، حرص شافيز على عدم تكرار خطأ كوبا في ستينات القرن الماضي، عندما توجه كاسترو نحو اليسار وجماهير العامة في امريكا اللاتينية، ولكنه خسر بفعل ذلك، استراتيجية التحالفات مع الحكومات القائمة.
• ونتيجة لذلك، استطاعت واشنطن عزل كوبا عن جماعة دول امريكا اللاتينية. وفي المقابل، احتفظ شافيز، رغم خطاباته النارية، بعلاقات حميمة مع رؤساء ذوي توجهات ليبرالية جديدة، مثل رئيس المكسيك، فيسنتي فوكس، ورئيس تشيلي، ريكاردو لاجوس، ورئيس بيرو، اليخاندرو توليدو، الذين سارعوا ثلاثتهم الى رفض الانقلاب ضد شافيز سنة 2002.
• ويرى الكاتب ان زعامة شافيز ومبادراته الدبلوماسية قد تؤدي الى تغييرات جوهرية في امريكا اللاتينية الأمر الذي يثير الكثير من القلق في واشنطن. فقد حقق اليسار انتصارات انتخابية باهرة خلال السنوات القليلة الماضية، كما ان انتصار مرشحي يسار الوسط في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا، والاكوادور، والمكسيك ونيكاراجوا بعد ذلك بسنة ونصف، سيغير بدرجة أكبر العلاقة المتبادلة بين القوى في القارة.
• وقد يؤدي مثل هذا التحول السياسي الى فعل جماعي على عدة جبهات على طول الخطوط التي حدد شافيز معالمها من قبل. فهو ينادي بإيجاد اتحاد امريكي لاتيني على مستوى نصف الكرة الارضية الغربي هو “البديل البوليفاري بالنسبة للأمريكتين” كبديل عن “منطقة التجارة الحرة في الامريكتين” التي تدعمها واشنطن. وكان شافيز مؤثرا في احباط الخطط التي طالما تمنى بوش تحقيقها بإقامة المنطقة المذكورة سنة 2005.
• وتأييد شافيز لاجراء مفاوضات جماعية بشأن ديون امريكا اللاتينية الخارجية اشد ايذاء للمصالح الامريكية، وقد أصر في هذا الصدد، في العديد من المؤتمرات الدولية، على ان يذهب 10% من دفعة الديون الخارجية الى صندوق انساني دولي، يوفر العون للبرامج الاجتماعية، من دون دفع المقابل المعهود الذي تتطلبه الليبرالية الجديدة. وقد احرز شافيز التأييد الرسمي لخطة هذا الصندوق في مؤتمر رؤساء الدول الامريكية والايبيرية الذي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2003.
• مقايضات غير نقدية

• في موضوع أشد حساسية، ظل القلق يساور واشنطن بوجه خاص بسبب التحول عن الدولار في مبيعات النفط العالمية. فالاقتصاد الامريكي يتعزز بفعل استخدام الدولار الغالب في التبادلات التجارية الدولية، وكعملة احتياطية رئيسية في العالم، وفي عهد شافيز تجاوزت فنزويلا الدولار، بعقد مقايضات غير نقدية لنفطها مع أكثر من دزينة من دول امريكا اللاتينية ودول الكاريبي. وقد دعا شافيز دول منظمة أوبك الأخرى الى عقد اتفاقيات مماثلة. وتتضمن احدى مثل هذه الاتفاقيات تقديم نفط فنزويلي، مقابل وجود نحو 12 الف طبيب كوبي، فتحوا عيادات ويعملون مجانا في المناطق الفقيرة في انحاء فنزويلا.
• وضمن منظمة أوبك، ظل شافيز يؤكد على انخفاض القوة الشرائية للدولار كحجة لزيادة اسعار البترول المسعر بالدولار. كما طرح العديد من ممثلي الحكومة الفنزويلية امكانية بيع نسبة معينة من النفط باليورو. وقد ناقش الاقتراح السفير الفنزويلي في روسيا، الخبير النفطي البارز فرانسيسكو ميرز في مؤتمر عقد في موسكو سنة 2001 تحت عنوان “الأخطار الخفية في الأزمات النقدية”. كما ذكر هذه الامكانية الفارو سيلفا كالديرون، وهو وزير تعدين سابق، وامين عام سابق لمنظمة أوبك. فإذا قررت فنزويلا ان تتحول جزئيا نحو استخدام اليورو ضمن تحرك سيكون له معنى اقتصادي اذا واصل الدولار خفض قيمته واستعاد الاتحاد الاوروبي ترتيب بيته فإن من المحتمل ان تحذو دول اخرى في منظمة اوبك، وفي امريكا اللاتينية حذو فنزويلا.
• وبالنسبة الى شافيز، تسير القوة وحرية الارادة متكاتفتين معا. ويشكل الدفاع عن السيادة الوطنية وحق الحكومة الفنزويلية في صياغة سياساتها من دون تدخل اجنبي جوهر الحركة الشافيزية. ويعتبر ضباط الجيش الذين هبوا سنة 1992 وساروا في ركب شافيز في السنوات التي تلت الدفاع عن السيادة الوطنية، الواحب المقدس للجيش. ويعتقد بعضهم مثل الاميرال هيرنان جروبر اودريمان، ان الولايات المتحدة، ظلت منذ نهاية الحرب الباردة، تعمل على تحويل جيوش امريكا اللاتينية الى قوات شرطة استعمارية فعلية، الأمر الذي يعتبره “اعتداء على الشرف القومي”.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:46 pm

شافيز يعتمد استراتيجية التعبئة الشعبية المستمرة في مواجهة اعدائه
يواصل ستيف إلنر، في مقالته (فنزويلا تتحدى منطق العولمة) ، حديثه عن التجربة الفنزويلية بزعامة هوجو شافيز ، وآثارها المحتملة على سائر دول أمريكا اللاتينية، وذلك في اطار ما يبدو ميلاداً ليسار جديد في هذه المنطقة من العالم.

يقول الكاتب ان شافيز، يرى أن من أفضل الأمور التي تخدم تحقيق السيادة الوطنية على أكمل وجه، السعي إلى إيجاد “عالم متعدد الأقطاب ” وكما فعل بالكثير من خطبه وشعاراته، ترجم هذا الهدف إلى سياسات ملموسة ، حيث اتخذ خطوات نحو تنويع العلاقات التجارية والعسكرية من أجل تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، ضمن جهود ظل يكثفها ويضاعفها مع مرور الزمن، فقد زار بكين في يناير/ كانون الثاني سنة 2004 في محاولة لكسب مساندة الصين لخطة ترمي الى مد خط أنابيب نفط من فنزويلا الى الساحل الكولومبي على المحيط الهادئ ، من أجل تسهيل تصدير النفط إلى الصين ، ومن المتوقع ان يتجاوز حجم التجارة بين فنزويلا والصين الضعف في فترة وجيزة.

واضافة الى ذلك، قام شافيز بشراء سلع عسكرية من روسيا، واسبانيا والبرازيل، رغم محاولات الولايات المتحدة الحيلولة دون ذلك. كما تدرس شراء مقاتلات “ ميغ - 29” النفاثة الروسية، لتستعيض بها عن مقاتلات “اف - 16” التي حصلت عليها من الولايات المتحدة في أوائل ثمانينات القرن الماضي.ويشير الكاتب إلى أن شافيز عندما وجه سهام نقده نحو “الامبريالية الامريكية” للمرة الأولى سنة ، 2004 انتقد ادارة بوش دون الاشارة الى هيمنة الولايات المتحدة الاقتصادية.

وكان من الواضح انه لم يشأ أن ينفر شركات النفط الامريكية التي تواصل أعمالها في فنزويلا. وعلى الرغم من الجو السياسي المتوتر، لم تبد شركات النفط المتعددة الجنسيات أي اشارة الى شعورها بالخطر أو نيتها الانسحاب، وفي ذروة الاضراب العام الذي دام عشرة اسابيع، والذي كان يرمي الى الإطاحة بالحكومة، وقعت شركة “شيفرون تكساكو” عقداً علنياً لاستغلال الغاز في منطقة دلتا أورينوكو ، وهو الاتفاق الذي استخدمه شافيز لمصلحته السياسية.

ولكن التوترات في أوساط صناعة النفط، ما لبثت ان تجلت، كما يقول الكاتب، ففي أوائل سنة 2005 اعلنت شركة “أكسون موبايل” انها تدرس أمر التحكيم لتحدي زيادة العائدات التي فرضتها الحكومة على مبيعات النفط والتي رفعتها الحكومة من 1% الى 16،66%.وتدعي شركة “ اكسون موبايل ” ان هذا الارتفاع ينتهك العقود الملزمة قانونيا ، ولكن الحكومة تحتج بأن الاتفاقات السابقة قد أبرمت عندما كانت اسعار النفط والفوائد مجرد جزء يسير من مستوياتها الحالية، وفي وقت متزامن مع ذلك شعرت شركات القطاع الخاص الاجنبية بالخطر ، حيث خفض المصرف الألماني تقديره لشركة “كونوكو فيليبس” التي مقرها الولايات المتحدة، والتي تعتبر من المستثمرين الرئيسيين في فنزويلا، نظراً لمخاوفه من ان تتغير العلاقة المربحة الآن القائمة بين شركات النفط التي تعمل في دول عديدة، وبين الحكومة الفنزويلية في القريب العاجل.
سيادة وطنية أم عولمة ديمقراطية؟


يضيف الكاتب ان التجربة الفنزويلية تشير الى عكس ما هو شائع في الكتابات الحالية عن العولمة، التي تقلل من دور الدولة القومية، وبخاصة في الدول المتخلفة.

ويجادل المحللون الذين يعتنقون وجهة النظر هذه، بالقول ان ممارسة السيادة الوطنية في الاقتصاد العالمي السائد اليوم، من قبل حكومات دول العالم الثالث القوية لا يحتمل ان تؤدي الى احداث تحول ، كما أنها قد لا تكون ملائمة، والكتاب الذين يؤيدون هذه الفرضية ينتشرون على اليمين وعلى اليسار في الطيف السياسي ، والموجودون على اليمين منهم، والذين يدافعون عن السياسة الخارجية الامريكية وعن صيغ السوق الحرة، يربطون بين دول العالم الثالث القوية وبين الأقليات المحلية الحاكمة و”رأسمالية الخلان” التي يلقون عليها تبعات فشل الليبرالية الجديدة المطبق في تحقيق التوقعات المتوخاة منها.

كما أن بعض الكتاب اليساريين الذين يحللون العولمة أيضا يعتبرون تقوية دول العالم الثالث قضية خاسرة، ويضيف الكاتب ان هدف شافيز كان منذ البداية تحقيق السلطة على المستوى الوطني. ويعتبر هذا الهدف موضع شك شديد بالنسبة الى بعض الذين يسقطون اهمية الدولة القومية، ويمتدحون الصراعات من أجل الحكم الذاتي، ويعبرون عن التضامن مع جماعات مثل الزاباتستيين في المكسيك.

ويذكر الكاتب على سبيل المثال، ان مايكل هارت الفيلسوف السياسي الامريكي، والمشارك في تأليف كتاب “الامبراطورية ” الشهير، يشير الى موقفين مختلفين فيما يتعلق بدور “ السيادة الوطنية ” الذي ظهر في “المنتديات الاجتماعية العالمية ”.

فمن جهة، كما يقول، يدافع معظم زعماء المنظمات المعترف بها دولياً والتي تشارك في المنتديات، عن السيادة الوطنية لدول العالم الثالث، باعتبارها “حواجز دفاعية في وجه سيطرة رأس المال الاجنبي والعالمي” كما يساند الموقف الثاني غالبية الذين يحضرون المنتديات وينتمون الى حركات اجتماعية منظمة حول قضايا متنوعة تكمل احداها الاخرى.

وهذه المجموعة الثانية “تعارض أي حلول وطنية وتسعى بدلا من ذلك نحو تحقيق عولمة ديمقراطية” ويقول هارت، في حين ان الموقف الثاني ديمقراطي بطبيعته ويتصدي لرأس المال، فإن الموقف الأول مقلوب رأسا على عقب ويحتمل ان يكون استبدادياً، ويخلص هارت الى أن “التكوين المركزي لسيادة الدولة، هو ذاته يسير في عكس اتجاه الصيغة الشبكية الأفقية، الي طورتها الحركات المتعاطفة مع الموقف الثاني”.

ويستدرك الكاتب قائلا، ولكن خلافا لما يؤكده هارت، تبين السنوات التي قضاها شافيز في السلطة حتى الآن، ان حكومات العالم الثالث تستطيع ان تدعم السيادة الوطنية بقوة، وتشجع في الوقت ذاته أجندة وطنية تقدمية معارضة للمصالح الاقتصادية القوية، وتوصيف هارت للمؤهلات الديمقراطية المشكوك فيها، لحكومات “التحرير الوطني” في دول العالم الثالث، ينفي تعقيد التحولات التي تجري حالياً في فنزويلا، وعلى الرغم من ان الحركة الشافيزية بدأت “عمودية” جداً فإن مجموعتين من الانتخابات الداخلية ضمن الحكومة “احداهما لقيادة الحزب الوطني والثانية لانتخاب المرشحين في الانتخابات المحلية” هما خطوتان باتجاه تحقيق الديمقراطية الداخلية، على الرغم من المشاكل الاجرائية التي ظهرت.
دروس مهمة


ويتطرق الكاتب الى الحجة التي تثار بين الحين والآخر والتي تقول ان فنزويلا في عهد شافيز متميزة جداً عن بقية دول امريكا اللاتينية مما يحول دون ممارستها تأثيراً دائماً على هذه الدول، فأسعار النفط المرتفعة تمول البرامج الشعبية، ومن ثم تضع فنزويلا في فئة مستقلة. يضاف الى ذلك ان شافيز يستمد الدعم اللازم والضروري من تركيبة عسكرية يأتي ضباطها في العادة من الطبقة الوسطى، والطبقة الدنيا من الطبقة الوسطى، في تباين حاد مع الطبيعة شبه المنغلقة للقوات المسلحة الموجودة في معظم دول القارة.ويعقب الكاتب على ذلك بالقول، إن كل هذه الآراء وجيهة، ولكن “العملية الثورية” الفنزويلية تنطوي على دروس مهمة لمن ينشدون في أمريكا اللاتينية العدالة الاجتماعية والتحولات الضرورية لتحقيقها.ويعدد الكاتب هذه الدروس، فيقول إن أولها، هو أن اكتساب اغلبية انتخابية حقيقية أمر جوهري لاحداث تغيير اجتماعي بعيد المدى بوسائل ديمقراطية، وقد حاز شافيز على نحو 60% من أصوات الناخبين في الانتخابات التسعة التي عقدت منذ سنة 1998 وتدلل هذه النتائج على صحة القول ان احراز أغلبية ضئيلة من أصوات الناخبين، مثل أغلبية ال 36% التي حصل عليها سلفادور الليندي في تشيلي سنة 1970 لا تشكل تفويضاً بإجراء تغيير جذري.والدرس الثاني هو ان المشاركة والتعبئة الفعالتين، هما من المكونات الأساسية في العملية. فقد اعتمد شافيز على ما هو أكثر من مجرد الدعم الانتخابي أو السلبي.

واتبع استراتيجية تقوم على التعبئة الشعبية المستمرة لمواجهة خصومه المتمردين، الامر الذي تبين انه جوهري لحفظ بقائه السياسي بما في ذلك عودته مجدداً بعد انقالب ابريل/نيسان 2002. والذي جعل الانشطة والأعمال الضخمة التي شهدتها الشوارع تأييداً للعملية الشافيزية ممكنة، هو القناعة الراسخة بين عامة الناس بأن خطاب شافيز قائم على جوهر حقيقي والتزام بتغيير شامل، لا على التلاعب والخداع.والدرس الثالث المستفاد من تجربة شافيز، هو أهمية التوقيت والتعميق المستمر لعملية التغيير عن طريق طرح أهداف جديدة في أعقاب كل انتصار سياسي.ومن بين الانتصارات التي أُتْبِعَتْ بشعارات واقتراحات جديدة، عقد الجمعية العمومية الدستورية الوطنية سنة ،1999 وهزيمة الانقلاب في ابريل/ نيسان ،2002 وهزيمة الاضراب العام في فبراير/شباط ،2003 وهزيمة انتخابات الإقالة في اغسطس/آب ،2004 وانتخابات المحافظات بعد ذلك بشهرين والتي فاز فيها أنصار شافيز جميعها ما عدا اثنتين.
انفصال يبشر بالأمل


يخلُص الكاتب في تقويمه لتجربة شافيز، الى القول، ان فنزويلا رغم كل ما ذُكر، بعيدة عن كونها قد طورت نظاماً اقتصادياً جديداً من شأنه ان يتيح لشافيز اعداد نموذج متكامل وتصديره إلى بقية دول امريكا اللاتينية. ففي المنتدى الاجتماعي العالمي الذي عُقد سنة ،2005 وصف شافيز نفسه بأنه “اشتراكي” وأضاف: “يجب علينا ان نعيد الاشتراكية الى حالتها الأصلية كنظرية، ومشروع، ونهج، ولكن لتكون نوعاً جديداً من الاشتراكية، نوعاً انسانيا، يضع البشر لا الآلات قبل كل شيء ذلك هو النقاش الذي علينا ان نعززه في جميع أنحاء العالم”/ ولكن فنزويلا، في رأي الكاتب، لا تطبق إلا قدراً ضئيلاً من الاشتراكية، على الاقل، بالمعنى التقليدي للكلمة، حيث لم ترشح أياً من قطاعات الاقتصاد لتأميمه.

واذا كان ثمة من نموذج جديد آخذ بالظهور، فهو قائم على منح الأولوية للحاجات الاجتماعية، ونشوء التعاونيات العمالية وصغار المنتجين، في كل من الريف والمناطق الحضرية، ورفض الحكومة للتحالفات مع المجموعات الرأسمالية الضخمة، مع عدم نبذ التعايش معها بسلام.ويقول الكاتب في نهاية مقالته، ان مقدرة فنزويلا على التأثير في الأمريكتين مرهونة بنجاح تطبيق السياسات والاستراتيجيات الشافيزية.

وفي هذه المرحلة، فإن أهم جوانب التأثير الذي قد تُحدثه تجربة شافيز على بقية أمريكا اللاتينية، هي وطنيته، التي تقوده الى ازدراء املاءات الولايات المتحدة، ومناهضته لليبرالية الجديدة، التي تضع حداً لعملية الخصخصة، وأولوياته الاجتماعية التي تجري ترجمها الى برامج اجتماعية في مجالي الصحة والتعليم. وسوف تبين محاكاة سياسات شافيز من قبل الدول المجاورة، ان حكومات العالم الثالث توجد في مركز الصراع السياسي وان البدائل الوطنية موجودة حقاً، على الرغم من التحذيرات المفزعة التي يطلقها العديد من الكتاب البارزين في موضوع العولمة.ومن الكتاب الآخرين الذين تطرقوا الى التجربة الفنزويلية في عهد هوجو شافيز، جيراردو رينيك، وهو استاذ مشارك للتاريخ في جامعة سيتي في نيويورك، الذي يقابل بين ما يصفه بعلاقة اليسار المؤسسي، بجماهيره، تلك العلاقة التي تزداد تلاعبا وافتقارا الى الاحترام، وبين علاقة الاعتماد المتبادل التي تربط ما بين حكومة شافيز، والجماهير الشعبية في فنزويلا. وبقول رينيك ان عمليات التعبئة الجماهيرية الهائلة قد الحقت الهزيمة بالانقلاب الذي دبرته الولايات المتحدة ضد شافيز سنة ،2002 والاضراب الذي اعقبه بقصد الاطاحة بالرئيس الفنزويلي. وكانت جهود شافيز التنظيمية وسياساته الاجتماعية والاقتصادية ترمي الى منفعة وتمكين اشد قطاعات المجتمع الفنزويلي هامشية.

وعلى الرغم من محدودية ثورة شافيز البوليفارية ومساوئها، فإنها بكونها قائمة على اقتصاد مختلط، وبرامج الرفاه، والمشاركة الشعبية، والسياسة الخارجية المستقلة، والوطنية الشعبية، تشكل اكبر انفصال جذري لأمريكا اللاتينية عن النموذج اللبرالي الجديد الذي رسم خطوطه ما يسمى “اجماع واشنطن”. ويشكل اعلان شافيز سنة 2005 عن قصور الرأسمالية وعدم ملاءمتها، والحاجة الى بناء “اشتراكية تلائم القرن الحادي والعشرين”، انفصالا يبشر بالأمل، عن الانتهازية المحرجة التي تمارسها الاحزاب الأرسخ قدما في المنطقة.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:48 pm

السياسة الليبرالية الجديدة


يقول أحد معدي الكتاب، وهو فيجاي براشاد، ان مسألة السياسة اللبرالية الجديدة تحتل مركز الصدارة لدى المشاركين في هذا الكتاب. ويضيف ان امريكا اللاتينية تعاني، وتكافح ضد حزمة من السياسات التي تدعمها الحكومة الامريكية، في واشنطن، والمصارف في مدينة نيويورك ولندن ومدريد، والاقليات الحاكمة في امريكا اللاتينية ذاتها. وقد ادى الفقر واليأس، وهما ثمرة اللبرالية الجديدة التي يجنيها العمال والفلاحون، كما يقول الكاتب، الى التشرد والهجرة.وحيث ان تعبير اللبرالية الجديدة، كما يقول فيجاي، غدا فضفاضا، فإنه يتطوع لتحديده وتبيان المقصود منه في هذا الكتاب. فيقول انه يستخدم هنا اختصارا لعملية إعادة التشكيل الرأسمالية العالمية التي بدأت في سبعينات القرن الماضي، التي منحت فيها ايديولوجية “السوق الحرة” المتطرفة مركز الصدارة، كقاعدة للتنظيم الشامل للمجتمع.

وفي امريكا اللاتينية، كما في غيرها، خلقت إعادة التشكيل هذه تراكمات جديدة ومتنامية للثروة، الى جانب تجمعات هائلة للفقر والحرمان. وكانت الاداة الأساسية في إعادة التشكيل هذه رزمة السياسات التي يطالب بتطبيقها صندوق النقد الدولي، والخزانة الامريكية، والبنك الدولي ووول ستريت، التي أصبحت تعرف باسم “اجماع واشنطن”. وتشتمل تلك السياسات على خفض الميزانيات على نطاق واسع، وتفكيك مؤسسات الحماية الاجتماعية، وتحرير التجارة، ورفع القيود المالية التي تفرضها الحكومات، وخصخصة المشاريع التي تديرها الدولة واخضاع كل شيء لظروف السوق الحرة، وقد اعطى اجماع واشنطن الشركات الاجنبية منفذا منفلتا من أية قيود، الى الموارد الطبيعية والبشرية في المنطقة، واسواق المال، وذلك بهدم المكاسب التي انجزت بصعوبة في مجال حماية العمال، وبرامج الرفاه الاجتماعي، ومعظم الكفاءات التنظيمية للدولة.

وتم ابعاد عملية صنع السياسة الاقتصادية عن الظروف السياسية وعن المتطلبات الاجتماعية، مما جعل المنطقة جذابة و”مأمونة” بالنسبة الى الرأسمالية العالمية.

ويضيف الكاتب ان النتائج المتصاعدة والمدمرة التي تسببها اللبرالية الجديدة في امريكا اللاتينية بدأت تأخذ طريقها الى التوثيق المنهجي على صفحات تقرير منظمة ناكلا “مؤتمر امريكا الشمالية بشأن امريكا اللاتينية”، في ثمانينات القرن الماضي، حين راحت الحكومات واحدة اثر أخرى تتبنى الاصلاحات اللبرالية الجديدة بناء على اصرار المؤسسات المالية العالمية. وقد اذعنت معظم حكومات امريكا اللاتينية طائعة للقيود الجديدة التي فرضتها المؤسسات المالية العالمية مقابل “ كفالتها ” في أزماتها الاقتصادية المحلية الحادة ، الناجمة في معظمها عن القروض الفلكية التي اقترضتها من هذه المؤسسات انظمة استبدادية سابقة، وعندما بدأت الأنظمة العسكرية بالانقشاع، جاءت السياسات المبنية على السوق لتفرض اجراء تأديبيا عقابيا على الحكومات الجديدة والجماهير التي تنسمت رائحة الحرية مؤخرا.

وسرعان ما أصبحت امريكا اللاتينية المختبر الاقتصادي والاجتماعي الأساسي للبرالية الجديدة، وما من مكان آخر في العالم، طبق فيه هذا النموذج بمثل هذا الشمول والصرامة، كما لم تشهد منطقة أخرى، رفض هذا النموذج بمثل هذا الوضوح وهذه الصراحة.


الجماهير تطيح الحكومات سيئة السمعة في جنوب القارة الأمريكية

يساهم جيراردو رينيك ، استاذ التاريخ المشارك في جامعة سيتي ، في نيويورك ، بمقالة في الكتاب بعنوان : التحديات الاستراتيجية لتمرد أمريكا اللاتينية على الليبرالية الجديدة يقول فيها ، ان الشبح الذي يقضّ مضجع الرأسمالية يطوف الآن في أرجاء أمريكا اللاتينية.

وحالة الجيشان الاجتماعي والسياسي ، التي تعصف بالمنطقة حاليا، سواء عبر صناديق الاقتراع ، أو من خلال العمل الجماهيري المباشر، تهدّد هيمنة رأس المال العالمي والايديولوجيا الليبرالية الجديدة.

ففي دورة غير مسبوقة من الاضرابات، والتحركات الجماهيرية والتمردات الشعبية، التي تمتد من أوائل تسعينات القرن الماضي الى اليوم ، تستند الطبقات المهمشة والمستغَّلة والممتهنة والثانوية الى تقاليد النضال العميقة الجذور، للإطاحة بالأنظمة الفاسدة والاستبدادية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي والعاصمة الأمريكية.

وبالاضافة الى الانتصارات الانتخابية المهمة للاحزاب ذات النزعة اليسارية ، أطاحت التحركات الجماهيرية المباشرة حكومات سيئة السمعة في بيرو، وبوليفيا ، والاكوادور والأرجنتين.

وقد هُزمت اقتراحات الحكومات خصخصة الخدمات العامة والموارد الطبيعية هزيمة نكراء في المنطقة على أيدي الحركات والمنظمات التي تنتمي الى عامة الشعب ، والتي تمارس عملها بمعزل عن الأحزاب السياسية القائمة بما فيها الأحزاب اليسارية. ففي المكسيك ، أفشل الفلاحون في بلدة سلفادور أتينكو خططاً موضوعة برعاية تحالف بين شركات متعددة الجنسيات، ومقاولين محليين، والحكومة لبناء مطار بمليارات الدولارات على أراض زراعية ، وأرضٍ محمية ذات تربة رطبة.

وفي مدينة كوتشابامبا ، في بوليفيا، منعت التحركات النضالية وتعبئة الجمعيات والاتحادات والمنظمات الشعبية خصخصة نظام المياه المحلي.

وفي بيرو، منعت تحالفات الفلاحين والمزارعين والمنظمات المدنية ونشطاء حماية البيئة في بلدتي كاجاماركا وتامبوجراندي محاولات شركة مانهاتن للتعدين الكندية، للتوسع في أراض زراعية وأراض مشاعية ومصادر مياه.ومع تخلي الدولة عن أهم واجباتها الاجتماعية الاساسية، شمّر العديد من الحركات والمنظمات الشعبية عن سواعده لتلبية تلك الجوانب من الحياة اليومية مثل الإسكان، والتغذية ، ورعاية الأطفال ، والتعليم والعمل المنتج.

ويتبادر الى الذهن هنا المطابخ المشاعية في بيرو، ومنظمات وضع اليد على الأراضي في أوروجواي، وتعاونيات العمال العاطلين عن العمل في الأرجنتين ، والفلاحين الذين لا يملكون أرضاً في البرازيل ، ومشروع ادارة خدمة المياه ذاتياً وبصورة جماعية في بوليفيا ، والبلديات المدارة ذاتياً في ولاية تشياباس في المكسيك، التي يتحكم بها جيش زاباتستا للتحرير الشعبي.

وتشكّل هذه المؤسسات الشعبية، التي تنطلق من مبادئ التضامن واحترام الذات والمشاركة الجماعية والمصلحة العامة، تحدياً للفردية والمنفعة الذاتية وحرمان الطبقات الكادحة، وهي الأمور التي تعتبر جوهر الليبرالية الجديدة.

كما تشكل هذه المؤسسات هجوماً مباشراً على الشعور الأمريكي بالانتصار والتفوق في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وعلى احتفال الليبرالية الجديدة بالأسواق والتجارة الحرة والانظمة الانتخابية غير المقيدة، باعتبار كل ذلك، الطريق الوحيد الممكن نحو وجود حديث ديمقراطي ومتحضر.ويضيف الكاتب ان الولايات المتحدة والنّخب المحلية المتحالفة معها في المنطقة سارعت الى تنظيم قواها لاستعادة النظام الليبرالي الجديد الذي ظل يتعرض لهجوم مستمر منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.

وما حملة البيت الابيض لفرض الموافقة على اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الوسطى ، وتهديد بوش بالتدخل في بث شبكة تيليسور (وهي شبكة تلفزيونية اخبارية أنشئت بين فنزويلا والأرجنتين واوروجواي وكوبا ) ، وتوسع واشنطن الجيوستراتيجي بموافقة حكومة بارجواي مؤخراً على انشاء قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها.. ما تلك إلا أمثلة قليلة على نوايا الولايات المتحدة الرامية إلى عودة ممارسة الوجود الامبريالي، واستعادة الثقة بالنخب المحلية التي عاقبتها جماهير أمريكا اللاتينية.
تعرية الليبرالية الجديدة


يقول الكاتب ان الليبرالية الجديدة بلغت ذروتها اثناء ما يسمى “ العقد الضائع ” وهو عقد ثمانينات القرن الماضي، عندما دمّرت خصخصة الخدمات العامة والموارد الوطنية مجتمعات واقتصادات أمريكا اللاتينية، التي كانت تعاني أصلاً من التشتت والشرذمة.

وكانت الحكومات التنموية التي وجدت في أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، قد اعترفت إجمالاً بالمطالبات بحقوق العمل، والخدمات الاجتماعية الأساسية، والتعليم المجاني، واصلاح الأراضي والسيطرة الوطنية على الموارد الاستراتيجية، وان لم تكن تحترم هذه المطالب دائماً.ولكن، وفي أعقاب انقلاب تشيلي الذي دبرته الولايات المتحدة سنة ،1973 تم تفكيك حكومات أمريكا اللاتينية التنموية بسرعة وبصورة تامة، من خلال الجهود المتضافرة لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وكانت نتيجة ذلك، انهياراً غير مألوف لظروف الحياة المادية. غير ان أطرافاً اجتماعية جديدة برزت كرد فعل على ذلك، تمكنت بالتعاون مع الناشطين الأكبر سناً، من ايجاد حركات اجتماعية جديدة، وإعادة بث الحياة في منظمات طبقية أقدم، للدفاع عن المصالح الشعبية والوطنية.

ولم تفلح هذه الحركات وحسب في تعرية شرعية الليبرالية الجديدة، بل وفي اعادة تنظيم صفوف القوى الاجتماعية والسياسية في المنطقة. وتمكنت الاضرابات والتبعئة الجماهيرية في بيرو (سنة 2000)، والتمرد الشعبي في الارجنتين (2001)، والتمردات التي اتسمت بمشاركة سكان البلاد الأصليين، في اكوادور (،1997 ،2000 2005)، وبوليفيا (،2003 2005)، من الإطاحة بأنظمة فاسدة، قمعية، وموالية للولايات المتحدة.

ويرى الكاتب ان هذه التعبئة الشعبية لما يمكن وصفه “باليسار الاجتماعي”، جعلت من الممكن انتخاب حكومات تقدمية أو يسارية في الارجنتين، والبرازيل، وفنزويلا وأوروجواي.

بل ان السخط على الليبرالية الجديدة بلغ حتى كولومبيا حليفة واشنطن الأشد ولاءً في المنطقة حيث فاز لويس ادواردو جارزون، وهو زعيم سابق للاتحاد الشيوعي، في انتخابات سنة 2004 البلدية في العاصمة بوجوتا. كما ان اوروجواي انتخبت لأول مرة رئيساً يسارياً، هو تاباري فاسكيز، وليس هذا وحسب، بل ان الائتلاف الذي ينتمي اليه، استطاع في الانتخابات الاقليمية التي أعقبت ذلك، الفوز في سبع من ولايات البلاد التسع عشرة، بما في ذلك العاصمة مونتيفيديو.

وتتسم هذه الانظمة التقدمية الجديدة، على الرغم من خلافاتها الايديولوجية، والتفاوت في درجة التزامها بتحسين ظروف الجماهير، باتباع سياسة خارجية مستقلة، تمثل تحدياً للأحادية الأمريكية.كما ان تعزيز (أو إعادة) العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين أمريكا اللاتينية وكوبا، على ايدي الحكومات التقدمية التي انتخبت مؤخراً، يشكّل نكوصاً مهماً عن المحاولة التي بذلتها واشنطن خلال عقود من الزمن لعزل الثورة الكوبية وخنقها. ومن العلامات الأخرى على هذا الاستقلال الذي تحقق مؤخراً: هزيمة جهود الولايات المتحدة في منظمة الدول الأمريكية لعزل حكومة فنزويلاً الثورية المنتخبة، رفض وزراء دفاع المنطقة اقتراح وزير الدفاع الأمريكي السابق، دونالد رامسفيلد، الذي ساندته كولومبيا، تشكيل قوة أمريكية لاتينية متعددة الجنسيات، هزيمة تعيين أمين عام لمنظمة الدول الأمريكية مدعوم من الولايات المتحدة، (لأول مرة)، والرفض الصريح للأحادية في الميثاق التأسيسي لجماعة دول أمريكا اللاتينية التي تشكلت حديثاً.

كما تمثل النتائج غير الحاسمة لمؤتمر قمة الأمريكتين الذي عقد في مار ديل بلاتا، الأرجنتين، والتي كانت رفضاً عملياً لاتفاقية التجارة الحرة في الأمريكتين، نكسة حادة لاتفاقيات التجارة الحرة التي تقودها الولايات المتحدة، والتي تعتبر في المنطقة أمراً لا يقل عن تجديد استراتيجية الاستعمار الجديد.

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 1470
تاريخ التسجيل : 15/08/2007
العمر : 62

مُساهمةموضوع: رد: مكتبة العرباوى السياسية   الثلاثاء مارس 18, 2008 4:49 pm

تحدي الهيمنة الأمريكية


البرازيل لم تلعب وحسب دوراً بارزاً في معارضة المنطقة لاتفاقية التجارة الحرة في الأمريكتين، بل تصرفت كقوة ردع للنزعة التدخلية الأمريكية في كل من كوبا وفنزويلا، بينما أعطت الأولوية لتوسيع العلاقات مع الهند، الصين، الشرق الأوسط ، ودول إفريقيا الجنوبية. كما فضّلت فنزويلا اقامة علاقات اقتصادية مع دول في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، بالاضافة الى روسيا والهند والصين.

ويمثل تعاون فنزويلا الوثيق مع كوبا، وجهود هوجو شافيز لاستخدام النفط أهم مورد في بلاده أداةً للتكامل الاقتصادي والسياسي في حوض الكاريبي، تحدياً للهيمنة الأمريكية. بل ان صندوق النقد الدولي، وهو أقوى أداة للهجوم الليبرالي الجديد، قد عانى هزائم في الهبة الجارية حالياً في أمريكا اللاتينية.

ولكن كاتب المقالة، يستدرك بعد كل هذا الحديث عن الانتصارات اليسارية في أمريكا اللاتينية، فيقول ان هذه الأنظمة اليسارية والتقدمية، وفي تباين واضح مع سياساتها الخارجية المستقلة، قصرت في معظم الحالات على الصعيد المحلي، في التزاماتها نحو الجماهير المهمشة، وغير البيضاء في غالبيتها.

ويقول ان أوضح مثال على ذلك هو حالة الرئيس البرازيلي لويز ايناتشيو لولا دا سيلفا، الذي جاءت تنازلاته لليمين البرازيلي وللنخب المالية الدولية على حساب تأجيل اصلاح الأراضي ذي الأهمية الحاسمة، وغيره من الاجراءات الاجتماعية والديمقراطية الأساسية.

ومن خلال مثل هذه التراجعات، افلح (لولا) في تعزيز ثقة ومطالب الطبقات التي تتمتع بملكيات كبيرة، بينما نشر فتور الهمة والتشكك في صفوف الحركات الاجتماعية التي كان لتنظيمها وتعبئتها ومشاركتها الانتخابية الفضل في غلبة “حزب العمال” الذي ينتمي اليه (لولا). وعلى الرغم من ان الكشف عن الرشى التي دفعها حزب العمال لممثلي حليفه السياسي “حزب العمال البرازيليين”، والقروض التي حصل عليها الحزب بطريقة مشكوك في شرعيتها، قد اضطرت رئيس الحزب الى الاستقالة، فإن الأزمة التي ابتلي بها حزب العمال ليست جديدة. فهي تعود الى قرار الحزب اثناء حملته الانتخابية سنة 2002 الا يمس مصالح الرأسماليين.

ومن الأمثلة المهمة التي يوردها الكاتب على مركزية المنظمات الشعبية وتعبئة الجماهير في التغلب على الليبرالية الجديدة الانتفاضتان الشعبيتان سنة 2003 و2005 اللتان اطاحتا بآخر رئيسين بوليفيين.

وعلى عكس فنزويلا، التي كانت التعبئة الشعبية فيها مدعومة من الدولة، كانت التعبئة والتحركات البوليفية نابعة من اسفل، وتقودها منظمات محلية ذاتية التوجيه. وقد منعت انتفاضة سنة 2003 ضد الرئيس جونزالو المتطرف في ليبراليته تصدير احتياطات البلاد الضخمة من الغاز الطبيعي الى الولايات المتحدة عن طريق تشيلي. وقد اجبر جونزالو على إلغاء الخطة، وعلى الاستقالة، مخلفا اكثر من 80 قتيلا ومئات الجرحى.وقد اعترف خلف جونزالو، وهو كارلوس ميسا، بالشعور الشعبي المناهض للامبريالية، والضغط الذي يمارسه حزب “ التحرك نحو الاشتراكية ” الذي أسس قواعده بين السكان الاصلييين، وهو ثاني اكبر حزب في البلاد، ويقوده زارع الكوكا السابق ايفو موراليس، ونظم ميسا استفتاء شعبيا صوتت فيه الغالبية مؤيدة قيام الحكومة البوليفية بإحكام سيطرتها على صناعة النفط والغاز المخصخصة.

وعلى الرغم من الدعم الشعبي الواسع للتأميم الشامل، صيغت اسئلة الاستفتاء عن عمد بطريقة تجعل من المستحيل ايجاد خريطة طريق واضحة لتحقيق سيطرة حكومية اكبر على الموارد.

وبعد 10 اشهر من الجدل الحاد في الكونجرس البوليفي والمظاهرات في الشوارع، اقر الكونجرس في مايو/أيار 2005 قانونا مخففا يفرض زيادة هامشية في الضرائب على الشركات التي تستغل الاحتياطات.

وقد حشدت المنظمات الاقليمية والشعبية والاثنية جهودها مطالبة بأمرين رئيسيين: جمعية مخولة بإعادة كتابة الدستور، وتأميم قطاع الطاقة في البلاد. وقد شلت المظاهرات والمسيرات وحواجز الطرق، وعمليات احتلال حقول النفط والغاز، البلاد أياماً عديدة، وحين عجز ميسا عن ممارسة الحكم، استقال في نهاية الأمر، في يونيو/حزيران 2005.وكما في بوليفيا، لعب السكان الاصليون في اكوادور، بقيادة حركة باتشاكوتيك (وهي الذراع السياسية لاتحاد جنسيات السكان الاصليين في اكوادور) دورا حاسما في عمليات التعبئة الشعبية التي اجبرت آخر ثلاثة رؤساء على الاستقالة.

وبالمثل شهدت تشيلي خلال العقد الماضي ظهور حركة قوية ومسلحة في أوساط السكان الاصليين المهمشين دفاعا عن الموارد الطبيعية المهددة من قبل شركات التعدين والاخشاب المتعددة الجنسيات وإذ حلت هذه الحركات الجديدة محل الاحزاب المعروفة، فإنها تلعب دور القطب الجاذب للقوى المناوئة بما فيها احزاب ومنظمات “ اليسار القديم ” و” حركة العمل القديمة ”.
نقلة في موقف اليسار


خلافا لليسار القديم، تنزع هذه الحركات الجديدة الى تفضيل وحدة العمل، على التجانس السياسي، والتنوع على الاتساق والتماثل. كما انها لا تشكل ولا تطمح الى ان تشكل حركة مركزية موحدة، الى جانب انها كثيرا ما تتعرض للتوترات والتناقضات التي تخلقها الخلافات الايديولوجية والتكتيكية، وممارسات الزعماء الاستبدادية، والانتهازية.

وقد قوضت هذه المشاكل، على سبيل المثال ، دور حركة السكان الأصليين في انتفاضة ابريل/نيسان 2005 في اكوادور، عندما تحيزت مجموعة من اعضاء برلمان ومجلس وزراء حركة باتشاكوتيك، للرئيس لويجيو جوتيريز ، وعارضت غالبية اعضاء اتحاد جنسيات السكان الأصليين في اكوادور ، التي كانت تفضل الاطاحة به.

وتم حل الأزمة التي واجهتها حركة السكان الأصليين باستبعاد المعارضين وتجديد الالتزام بتعزيز الاشراف على العامة والسيطرة على الزعماء والمسؤولين المنتخبين.

وفي المقابل، في بوليفيا، تمكنت القوى الاجتماعية والسياسية الشعبية المختلفة، اثناء التمرد البوليفي الذي اطاح بالرئيس ميسا، من خلق وحدة في العمل ضد كل من الدولة، والمعارضة اليمينية، رغم الخلافات السياسية الجدية ( بما فيها التوترات بين الحركات الممثلة في البرلمان ، والتوترات في أوساط المعارضة غير الممثلة في البرلمان ).

ولكن جيش زاباتيستا للتحرير الشعبي هو الذي يعبر بصورة اشمل عن امكانات السكان الأصليين في مجال التنظيم والتعبئة من أجل صياغة تصور اشتراكي جديد، وإنشاء آليات لممارسة اشراف دقيق على الزعماء السياسيين والمسؤولين المنتخبين. فمنذ ظهوره، الذي تم توقيت اعلانه بصورة رمزية، يوم 1 يناير/كانون الثاني ،1994 وهو اليرم الذي شهد اطلاق اتفاقية التجارة الحرة في امريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، والمكسيك وكندا، أصبح هذا الجيش “ الباروميتر وحجر الزناد ” للحركات المناوئة للنظام في العالم.

وقد مثلت انتفاضة هذا الجيش، التي ولدت في ذروة الهجمة الايديولوجية لليبرالية الجديدة، عندما كان التشكك والتحرر من الوهم في ما يخص الاشتراكية والعمل الجماعي، يحدثان نقلة في موقف اليسار المناوئ، مثلت نقطة تحول في التعبير عن دورة جديدة من مناوأة النظام، وتشكيلها. وبالتعبير عن مطالب أشد قطاعات المجتمع المكسيكي معاناة للقمع والتهميش، ولدت مطالبة هذا الجيش بالحكم الذاتي للشعوب القومية وحقها في الرفاه، حركة غير مسبوقة من الدعم المحلي والعالمي.

وقد أثار موقف هذا الجيش، المناوئ لليبرالية الجديدة، والمناوئ للاستعمار، والمناهض للعنصرية، واستراتيجيته القائمة على بناء القوة الديمقراطية المحلية، من دون السيطرة على الدولة ، أعمالاً سياسية وجدلاً سياسياً ضمن الحركة الناشئة “ المناهضة للعولمة ” وقد اجتذبت المواجهات السياسية التي نظمها هذا الجيش، منظمات اجتماعية وسياسية، وزعماء من السكان المحليين وممثلين لهم، وحركات اجتماعية، ومثقفين في جميع انحاء العالم.

وكان احد المردودات المهمة لهذه الانشطة، تشكيل المجلس الوطني للسكان الأصليين، الذي يعتبر أول منظمة محلية وطنية مستقلة في تاريخ المكسيك. وكانت المواجهات ضد الليبرالية الجديدة في غابة تشياباس، بشائر مهدت لمولد “المنتدى الاجتماعي العالمي”.

ويتزامن الاعلان السادس لهذا الجيش، والذي يسمى اعلان غابة لاكاندون، الذي ينادي بإقامة تحالف يساري عالمي خارج الأطر البرلمانية، بين القوى الاجتماعية والسياسية، مع انقشاع الوهم على نطاق واسع، ازاء تقاعس الأنظمة الاجتماعية الديمقراطية، والتقدمية واليسارية عن العمل على نحو حاسم ضد اللبرالية الجديدة.

ويمضي الكاتب في الحديث عن انتفاضة جيش زاباتيستا المذكور ، وغيرها من التمردات والهبات التي قام بها السكان الأصليون في المنطقة، فيقول انها ابرزت على السطح إرث القمع الاستعماري والعنصرية ، الذي يكمن في جوهر الدول القومية في أمريكا اللاتينية.

وكان العبء الثقيل لهذا الموروث الثقافي والايديولوجي قد أدى الى تواري سلطة الفئات الثانوية (من سكان البلاد الأصليين بوجه خاص)، وعدم ظهورها في التكوينات التاريخية والسياسية في امريكا اللاتينية الحديثة، على الرغم من ان الاستقلال السياسي عن اسبانيا الذي قادته نخب تنحدر من أصول اوروبية، قد تحقق في اعقاب تمردات شعبية واسعة النطاق في المكسيك وفي منطقة الانديز (على الجانب الغربي من امريكا اللاتينية).

وقد أدت المخاوف التي ولدتها راديكالية الأعمال التي قام بها السكان الأصليون، والتي كانت عنيفة وكاسحة، الى تصلب عقلية (القانون والنظام)، لدى المؤسسين “المستنيرين” لجمهوريات أمريكا اللاتينية.

وشكل خوفهم من الجماهير، الذي اتسم بطابع عنصري، الى جانب تركيزهم الليبرالي على الحقوق الفردية، أهم العقبات التي تقف في طريق ايجاد دول قومية ديمقراطية حقا، وبخاصة في الدول ذات الاغلبية غير البيضاء (من السكان الأصليين أو السود).

وكان لهذا الإرث آثار موهنة ضمن أوساط اليسار، اعاقت في كثير من الأحيان التعاون بين قطاعيه المؤسسي والاجتماعي. وهنا تكمن الأهمية الحالية للتحركات المعاصرة للسكان الأصليين والفئات الثانوية، وارتباطهم المفصلي مع التقاليد السياسية الجديدة والقديمة، ودمجهم للديمقراطية والمصالح الجماعية، ونشرهم المتزامن للإصلاح والثورة والتمرد

_________________
عبد الرحمن العرباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elarabawye.yoo7.com
 
مكتبة العرباوى السياسية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 3 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عبدالرحمن العرباوى :: المنتديات العامة :: منتدي المعلومات العامة-
انتقل الى: